
بقلم/ زينة قحطان عبد النبي – جامعة سامراء
في حياة كل فتاة رجلٌ يمثل لها العالم بأسره، أما في حياة “زينة”، فقد كان أباها هو “الرجل الأول”؛ الصديق، والداعم، والملجأ. لكن القدر كان يخبئ لقصتهما فصلًا قاسيًا، في فجرٍ باردٍ امتزجت فيه الطمأنينة بأقسى مأساة إنسانية يمكن أن تعيشها ابنة مدللة.
الفجر الأخير: من الهستيريا إلى الصدمة
تعود زينة بذاكرتها إلى ذلك التاريخ الذي انفلق فيه قلبها نصفين: الـ 4 من فبراير، الموافق 15 رمضان لعام 2023. الساعة تشير إلى الخامسة واثنين وثلاثين دقيقة فجرًا.
لم يكن فجرًا عاديًا، بل كان يفيض بروحانية رمضانية دافئة داخل المنزل. كانت الضحكات تتعالى بصوت هستيري، والممازحات والكلمات العفوية تبسط ظلالها على البيت. كل شيء كان يبدو مثاليًا. أذّن الفجر، وتوجه الجميع للصلاة. وعلى غير عادته في ارتياد المسجد، آثر الأب الصلاة في المنزل لشدة برودة تلك الليلة، ليجلس على سجادته مناجيًا ربه حتى الشروق، كما اعتاد دائمًا.
دخلت زينة غرفتها لتنام، مطمئنة إلى صباح يوم جمعة جميل ينتظر العائلة. لم تمر سوى دقائق معدودة، حتى اخترق سكون البيت صوتٌ مكتوم، آتٍ من بعيد، يصرخ بطريقة غير مفهومة. ظنت زينة أول الأمر أنها في أضغاث أحلام، لكن الصوت اقترب واشتدّ ليعلن الفاجعة: “استيقظوا.. أبوكم مات!”.
أمتار تحولت إلى أميال
بين غرفة زينة وغرفة والدها بضعة أمتار فقط، لكنها في تلك اللحظة بدت مئات الأميال. زينة، التي لم تشهد الموت يوماً ولم تعهد طقوسه، وجدت نفسها في مواجهة مباشرة معه. صرخات الإنكار تعلو: “لا.. لم يمت! استيقظ يا أبي.. لا تغلق عينيك”.
تفاقم الموقف؛ هيبة الأب وجسده الضخم جعلا من عملية نقله إلى المستشفى مهمة شاقة على ابنة وولدين أنهكتهم الصدمة والذهول. كان ثقيلًا في البدء، لكن بمجرد وضعه على الأرض، بدا خفيفًا كالفراشة. انحنت زينة نحوه قائلة: “بابا، هل أنت بخير؟ إن كنت تسمعني افتح عينيك ليطمئن قلبي”. في تلك اللحظة، فتح الأب عينيه، ونظر إليها بنظرة عميقة جداً.. لم تكن تعلم أنها نظرة الوداع الأخير.
في المستشفى، تحققت الفاجعة حين سمعت زينة مكالمة هاتفية لأحد الجيران يهمس لزوجته: “لا تخبريهم.. لقد فارق الحياة”. هنا تزلزل الكون في عينيها، وبلحظة جنون غير واعية، ضربت بيديها زجاجاً أمامها ليتناثر ويسيل دمها، تاركاً جرحاً غائراً في يدها، يذكرها بكل تفاصيل تلك اللحظة كلما نظرت إليه.
غصّة النجاح والوعد الناقص
رحل الأب، وتغير كل شيء في البيت منذ الدقيقة الأولى. انكسرت زينة، وداهمها المرض لعدة أشهر. ولم تكن الفاجعة عاطفية فحسب، بل زاحمت مصيرها الدراسي؛ إذ كانت طالبة في مرحلة “السادس الإعدادي”، وبات يفصلها عن أول اختبار تحديد مصير عشرة أيام فقط!
كيف تقرأ وقد نسيت كل ما حفظته؟ كيف تكمل وحيدة والداعم الأول خلف التراب؟ كانا قد خططا معاً للسفر إلى مصر لتلتحق بكلية أحلامها وتدرس “القانون”، لكن الوعود بقيت ناقصة والخطى تاهت. ومع ذلك، دخلت الاختبارات بقلب منكسر وعزيمة بائسة.
يوم إعلان النتائج، ظهر الاسم: (زينة قحطان عبد النبي.. ناجحة من الدور الأول). كانت فرحة عارمة، لكنها مخنوقة بغصة؛ فلا أب تزف إليه البشرى، ولا حلم يكتمل بوجوده.
الفراشة.. ورسالة من السماء
في غمرة ذلك الانكسار والتحليق في أفكار عميقة، حدث ما لم يكن في الحسبان. هبطت فراشة صغيرة جداً ووقفت على إصبع زينة. في تلك اللحظة، حلت سكينة مرعبة في قلبها، وشعرت بذهول طاغٍ، وكأن روح والدها تجسدت في تلك الفراشة لتقول لها: “أنا هنا.. روحك تحرسك، استمري واكملي طريقك يا صغيرتي المدللة”.
منذ تلك اللحظة، ولدت زينة من جديد؛ بنتًا أقوى، مليئة بالطموح، لا توقفها الصعاب. ورغم أنها لا تملك من ريح والدها سوى “حفنة تراب” جمعتها من أول زيارة لقبره، ومسبحته التي لا تزال تحتضن أصابعها، وآخر ثلاث سجائر رحل ولم يكملها.. إلا أنها استمدت من روحه قوة لا تقهر.
اليوم، تقف زينة على أعتاب التخرج، وتوجه رسالة لروح “الرجل الأول” في السماء: “أود أن أخبرك يا أبي أنني أكملت الطريق، وأشرفت على التخرج.. لكنها خطوات تفتقدك، وكل نجاح بدونك يظل مغموراً بالانكسار”.