
بغداد – إيجاز
أثارت مشاهد أداء التحية العسكرية لزعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود بارزاني خلال استقبال وفود وشخصيات رسمية في أربيل جدلاً واسعاً في الأوساط العسكرية والقانونية، وسط تساؤلات متصاعدة بشأن حدود البروتوكول العسكري النافذ، والجهات المخوّلة حصراً باستقبال التحية العسكرية، وما إذا كانت بعض الممارسات السياسية باتت تتجاوز السياقات القانونية المنظمة داخل المؤسسة الأمنية العراقية.
ويؤكد الخبير الأمني والعسكري جواد الدهلكي، في حديث صحافي أن القوانين والأنظمة العسكرية العراقية حددت بشكل واضح الجهات التي تُؤدى لها التحية العسكرية، مشيراً إلى أنها تقتصر على التسلسل العسكري داخل القوات المسلحة، إضافة إلى من يشغل منصب رئيس الجمهورية أو رئيس مجلس الوزراء أو بدرجة وزير.
ويبيّن أن “أي منتسب عسكري يؤدي التحية العسكرية لشخص خارج هذه السياقات يعد مرتكباً لمخالفة انضباطية قد تصل إلى المساءلة وفق قانون الضبط العسكري”، لافتاً إلى أن هذه الضوابط لا تخضع للاجتهادات الشخصية أو المجاملات السياسية، بل لنصوص قانونية واضحة.
ويأتي هذا الجدل عقب تداول مقطع مصوّر أظهر عدداً من الضباط وهم يؤدون التحية العسكرية خلال استقبال وفد رسمي في أربيل ضم قيادات سياسية من إقليم كردستان، بالتزامن مع زيارة وفد عسكري اتحادي رفيع برئاسة رئيس أركان الجيش الفريق الأول الركن عبد الأمير رشيد يار الله، في إطار بحث الملفات الأمنية وحماية المنشآت النفطية.
وقد فتحت هذه المشاهد نقاشاً أوسع حول مدى التزام بعض التشكيلات العسكرية بالسياقات الرسمية، وما إذا كانت الاعتبارات السياسية تؤثر على طبيعة السلوك البروتوكولي داخل المؤسسة العسكرية.
ويشير الدهلكي إلى أن المخالفات في هذا السياق تبدأ عادة بالتنبيه وقد تصل إلى إجراءات عقابية داخل الثكنات العسكرية، مؤكداً أن “المعيار القانوني واضح ولا يجيز أداء التحية العسكرية إلا وفق الرتب والمناصب المحددة”.
وفي السياق ذاته، يلفت إلى أن بعض الممارسات داخل المؤسسة الأمنية تأثرت خلال السنوات الماضية بعوامل سياسية، من بينها ملف المحاصصة، ما انعكس على تطبيق التعليمات العسكرية بصورة دقيقة في بعض الحالات، بحسب تعبيره.
وبحسب الخبير الأمني، فإن ما جرى في بعض الاستقبالات داخل أربيل لا ينسجم مع السياقات العسكرية المعتمدة، معتبراً أن أداء التحية العسكرية لشخصيات سياسية لا تحمل صفة عسكرية أو منصباً رسمياً ضمن الدولة يدخل في إطار المخالفات الانضباطية.
ويضيف أن القانون العسكري لا يقر بما يُسمى “المجاملات البروتوكولية” في هذا الجانب، بل يعتمد معايير واضحة في تحديد من يستحق التحية العسكرية، محذراً من أن استمرار هذا النمط قد يخلق إرباكاً في هرم الانضباط داخل المؤسسة العسكرية.
ويعيد الجدل الدائر إلى الواجهة النقاش القديم المتجدد بشأن حدود العلاقة بين المؤسسة العسكرية والفاعلين السياسيين، ومدى الالتزام الصارم بالبروتوكول الرسمي خلال الزيارات والمناسبات العامة.
وفيما تتباين التفسيرات القانونية والسياسية حول هذه الحالات، يرى مختصون أن استمرار الخلط بين الرمزية السياسية والانضباط العسكري قد يفتح الباب أمام إشكالات تتعلق بهيبة المؤسسة العسكرية وطبيعة تطبيق القوانين النافذة داخلها.