آخر الأخبار

30 أيلول يقترب.. الحكومة تتراجع والفصائل تتمسك بالسلاح و«النزع» يتحول إلى «احتواء»

بغداد – إيجاز

مع اقتراب موعد الثلاثين من أيلول، تتراجع تدريجياً حدة الخطاب السياسي والحكومي بشأن حصر السلاح بيد الدولة، بعدما انتقلت النقاشات من الحديث عن تسليم السلاح وإنهاء المظاهر المسلحة خارج المؤسسات الرسمية، إلى البحث عن صيغ أكثر مرونة تقوم على “تنظيم السلاح واحتوائه”، في ظل استمرار رفض فصائل مسلحة التخلي عما تصفه بـ”سلاح المقاومة”.

ويضع هذا التحول ملفاً سيادياً شديد الحساسية أمام مرحلة جديدة، خصوصاً أن الموعد الذي ارتبط بخروج القوات الأمريكية كان يُنظر إليه باعتباره محطة فاصلة لإنهاء وجود السلاح خارج سلطة الدولة، قبل أن تتراجع لغة المهل والتهديدات في الأسابيع الأخيرة، مقابل تصاعد الحديث عن التفاوض والتسويات وتجنب الصدام الداخلي.

ويؤشر مراقبون أن المفاوضات بين القوى السياسية والفصائل الرافضة للتسليم تواجه تعقيدات كبيرة، ما قد يحول مهلة أيلول من موعد نهائي للحسم إلى بداية لمسار تفاوضي طويل، فيما تبقى قدرة الدولة على إخضاع قرار الحرب والسلم لمؤسساتها الاختبار الأبرز في هذا الملف.

مأزق السلاح

ويقول الخبير الأمني مخلد حازم إن “عدم تعاطي الفصائل المسلحة مع توجه الحكومة ورغبتها، إلى جانب الإرادة السياسية والمجتمعية، في حصر السلاح بيد الدولة وجعله خاضعاً لقرارها وسلطة القانون، يدخل البلاد في مأزق كبير ويفتح الباب أمام تحديات واضحة المعالم”.

ويضيف حازم أن “الإطار التنسيقي يدرك حجم هذه التحديات وما يمكن أن تؤول إليه عملية الإصرار على إبقاء السلاح خارج إطار الدولة، لأن استمرار هذا الوضع يعني إضعاف الدولة ومكانتها وسيادتها”، مؤكداً أن “التطلع الحقيقي يجب أن ينصب على أن يكون قرار الحرب والسلم بيد الدولة العراقية، وعلى تعزيز مؤسساتها وحماية مفهوم المواطنة وسيادة القانون”.

وأعلنت فصائل عراقية، وفي مقدمتها حركة النجباء وكتائب حزب الله، رفضها تسليم السلاح، إذ جددت النجباء تمسكها بما وصفته بـ”قدسية سلاح المقاومة”، فيما وضعت كتائب حزب الله جملة من الشروط قبل الدخول في أي مقاربة تتعلق بالسلاح، من بينها خروج القوات الأمريكية والتركية ومعالجة ملف قوات البيشمركة.

عقدة الأيديولوجيا

ويشير حازم إلى أن “المفاوضات مع الفصائل لم تنتهِ بصورة قاطعة حتى الآن، إلا أن طبيعة الارتباط العقائدي لدى عدد منها تجعل قرارها مرتبطاً بما يسمى وحدة الساحات أو محور المقاومة، وهو ما يزيد صعوبة الوصول إلى تسوية سريعة”.

ويوضح أن “الانسلاخ عن هذا الفكر العقائدي وما يعنيه من التخلي عن نهج المواجهة يمثل بالنسبة إلى تلك الفصائل تحولاً كبيراً، وهي تستخدم هذه المسألة في نقاشاتها ومواقفها أمام الكتل السياسية، باعتبار أن فصائل العراق المنضوية ضمن ما يسمى محور المقاومة تمثل جزءاً مهماً من هذا المحور”.

ويرى أن إيران لن تتخلى بسهولة عن هذا الامتداد، لكونه يمثل جزءاً من استراتيجيتها الإقليمية، ما يجعل ملف السلاح مرشحاً لمزيد من التعقيد، خصوصاً مع محاولة القوى السياسية في الوقت نفسه الحفاظ على تماسك العملية السياسية وتجنب أي مواجهة يمكن أن تهدد الاستقرار الداخلي.

من النزع إلى الاحتواء

في المقابل، شهد الخطاب السياسي خلال الفترة الأخيرة تحولاً لافتاً، بعدما برزت مصطلحات “تنظيم السلاح” و”احتوائه” بدلاً من “نزع السلاح”، بالتزامن مع تراجع حضور الملف في البيانات الرسمية الصادرة عن الاجتماعات الأخيرة للقوى السياسية.

ويقول الباحث والأكاديمي مجاشع التميمي إن “الأوضاع في العراق تتجه، مع اقتراب موعد 30 أيلول، نحو تفاهمات أكثر مرونة، بدلاً من الذهاب إلى مسار تصادمي قد يفاقم التعقيدات السياسية والأمنية”.

ويضيف التميمي أن “طرح نوري المالكي مفهوم تنظيم واحتواء السلاح بدلاً من نزعه يعكس استراتيجية تستهدف تفادي إحراج الفصائل الرافضة للتسليم، والعمل على استيعابها ضمن أطر رسمية وقانونية”، مبيناً أن ذلك يؤشر في الوقت نفسه إلى “تراجع لغة التهديد والوعيد لصالح مقاربة أكثر هدوءاً في إدارة هذا الملف”.

مهلة تفقد حساسيتها

ويعتقد التميمي أن مجمل التحركات الحالية “يسهم في تفريغ مهلة أيلول من حساسيتها المرتبطة باحتمالات المواجهة، ويمهد في المقابل لمسار تفاوضي طويل قد يهدف إلى الحفاظ على استقرار الحكومة ومنح الفصائل مساحة للاستيعاب القانوني ضمن الدولة بعيداً عن الصدام المباشر”.

ويرى أن المشهد بات أقرب إلى “إعادة ترتيب قواعد التعامل مع ملف السلاح عبر التفاهم التدريجي”، وهو مسار قد يطيل المفاوضات، لكنه يمنح القوى السياسية والأطراف المعنية فرصة للبحث عن تسوية تقلل كلفة المواجهة وتحافظ على تماسك المشهد الداخلي.

وكانت الحكومة قد وضعت مساراً لحصر السلاح بيد الدولة بالتزامن مع موعد خروج القوات الأمريكية في 30 أيلول، فيما شهدت الأشهر الماضية تحركات سياسية ومفاوضات مع الفصائل المسلحة بهدف الوصول إلى صيغة تنهي وجود السلاح خارج القرار الرسمي.

لكن اقتراب الموعد من دون إعلان اتفاق نهائي، إلى جانب استمرار البيانات الرافضة للتسليم، أعاد خلط الأوراق، فيما يبدو أن اللجنة المكلفة بالتفاوض مع الفصائل تواجه صعوبة في الوصول إلى صيغة تحظى بموافقة الأطراف كافة.

30 أيلول بلا حسم؟

وتعزز تصريحات قادة سياسيين خلال الفترة الأخيرة مؤشرات التحول في طريقة التعامل مع الملف، ولا سيما مع الانتقال من مصطلح “نزع السلاح” إلى “تنظيمه واحتوائه”، في محاولة لإيجاد منطقة وسط بين مطلب الدولة بإخضاع السلاح لسلطتها ورفض الفصائل التخلي عنه بصورة كاملة.

ويفتح هذا التحول الباب أمام سيناريو يقوم على تسجيل الأسلحة وضبط حركتها أو إدخالها ضمن ترتيبات قانونية ورسمية، بدلاً من جمعها بصورة كاملة، وهي صيغة يمكن أن تمنح القوى السياسية مساحة إضافية للمناورة وتجنب الصدام، لكنها تبقي جوهر القضية مرتبطاً بمدى قدرة الدولة على التحكم الفعلي بالسلاح وقرار استخدامه.

ومع تبقي أسابيع قليلة على نهاية المهلة، لم يعد الثلاثون من أيلول يبدو بالضرورة موعداً لإغلاق ملف السلاح، بقدر ما قد يتحول إلى محطة جديدة في مفاوضات أكثر تعقيداً، بينما يبقى جوهر الاختبار قائماً حول ما إذا كانت التسوية المرتقبة ستضع السلاح فعلياً تحت قرار الدولة، أم ستعيد تنظيم وجوده بصيغة جديدة من دون إنهائه.

شارك المقال عبر

تغطية مستمرة

المزيد