آخر الأخبار

47 منفذاً خارج الدولة.. كيف تحولت حدود كردستان إلى ثقب أسود يبتلع مليارات العراق؟

بغداد – إيجاز

تتجدد في كل أزمة مالية بين بغداد وأربيل الأسئلة ذاتها بشأن مصير إيرادات المعابر الحدودية في إقليم كردستان، لكن هذه المرة تبدو الوثائق والأرقام أكثر وضوحاً من أي وقت مضى. فبينما تواجه الحكومة الاتحادية ضغوطاً مالية متزايدة وتسعى لتعظيم مواردها غير النفطية، تكشف كتب رسمية وتقارير رقابية عن شبكة واسعة من المنافذ والمعابر غير الرسمية التي تعمل خارج السيطرة الاتحادية، وسط اتهامات بتهريب النفط والبضائع وحرمان الخزينة العراقية من مليارات الدولارات سنوياً. وتأتي هذه المعطيات في وقت تتصاعد فيه الخلافات بين بغداد وأربيل بشأن الرواتب والإيرادات والنفط، ما يجعل ملف المنافذ الحدودية واحداً من أكثر الملفات حساسية وتأثيراً على مستقبل العلاقة بين الطرفين.

وتظهر وثيقة صادرة عن مكتب النائب حيدر المطيري وجود ما لا يقل عن 47 منفذاً ومعبراً غير رسمياً في إقليم كردستان، موزعة على الحدود مع إيران وتركيا وسوريا، فضلاً عن معابر داخل أراضٍ تابعة لمحافظة نينوى. وتشير الوثيقة إلى أن هذه المعابر تُستخدم بطرق مختلفة بعيداً عن الرقابة الاتحادية، فيما دعت رئاسة الوزراء إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لحماية موارد البلاد ووقف ما وصفته بالتأثير السلبي المباشر على الاقتصاد العراقي.

ولا تبدو هذه الاتهامات معزولة عن سياق أوسع من الشكوك التي تلاحق إدارة المعابر في الإقليم منذ سنوات. فبحسب وثائق هيئة المنافذ الحدودية وديوان الرقابة المالية، فإن هناك تبايناً مستمراً بين بغداد وأربيل بشأن أعداد المنافذ الرسمية وغير الرسمية، كما أن العديد من المنافذ ما زالت تعمل خارج الإطار القانوني الذي حددته الحكومة الاتحادية. وتؤكد تلك الوثائق أن عشرات المنافذ غير المعترف بها ما زالت موجودة على الأرض رغم مرور سنوات على المطالبات بإغلاقها أو إخضاعها لإشراف الدولة.

ويذهب أعضاء في مجلس النواب وخبراء اقتصاديون إلى أبعد من ذلك، إذ يتحدثون عن تحول بعض هذه المنافذ إلى بوابات مفتوحة للتهريب المنظم. ويؤكد عضو اللجنة المالية النيابية السابق معين الكاظمي أن المنافذ غير الرسمية لا تمثل مجرد مخالفة إدارية أو جمركية، بل تعكس حالة انفصال اقتصادي بين الإقليم والحكومة الاتحادية، مشيراً إلى استخدامها في تهريب البضائع والممنوعات والنفط بعيداً عن أعين الأجهزة الرقابية. كما يؤكد نواب آخرون أن جزءاً من النفط المنتج في الإقليم يغادر عبر شاحنات وصهاريج إلى الخارج دون أن تدخل عائداته إلى خزينة الدولة العراقية.

وتزداد خطورة الملف مع الأرقام المتداولة بشأن حجم الخسائر المالية. فبحسب تقديرات نقلها أعضاء في البرلمان العراقي، فإن عمليات التهريب وعدم استحصال الرسوم الجمركية بالشكل الصحيح تحرم العراق من نحو 15 تريليون دينار سنوياً. بينما يذهب خبراء اقتصاديون إلى أن الفاقد التراكمي خلال السنوات الأخيرة تجاوز 20 تريليون دينار نتيجة الفساد الجمركي والتحويلات التجارية غير الخاضعة للرقابة، فضلاً عن استمرار المنافذ غير الرسمية في كردستان. وتشير هذه الأرقام إلى أن الأموال المهدورة تكفي لتمويل مشاريع استراتيجية كبرى أو سد جزء مهم من العجز المالي الذي تعاني منه الدولة العراقية.

ومن أبرز المؤشرات التي تعزز الشكوك بشأن إدارة الإيرادات، الخلاف المزمن حول الأموال غير النفطية التي يفترض أن تحولها حكومة الإقليم إلى بغداد. فالحكومة الاتحادية تؤكد أن الإيرادات التي تسلمها أربيل أقل بكثير من الأرقام المفترضة قانونياً، وهو ما دفعها سابقاً إلى تعليق تمويل رواتب موظفي الإقليم. كما تشير كتب رسمية صادرة عن وزارة المالية الاتحادية إلى أن حكومة كردستان لم تكن تحول سوى جزء محدود من الإيرادات غير النفطية، رغم أن تقديرات بغداد تشير إلى مبالغ أكبر بكثير يفترض دخولها إلى الخزينة الاتحادية.

وفي مقابل هذه الاتهامات، تنفي حكومة الإقليم وجود معابر غير رسمية تمارس نشاطاً تجارياً منظماً، وتقول إن بعض المنافذ المختلف عليها هي نقاط حدودية معروفة وتجري محاولات لتحويلها إلى منافذ رسمية. كما تنفي وجود تهريب واسع النطاق أو إخفاء للإيرادات، مؤكدة أن الأموال تحول وفق الآليات المتفق عليها مع بغداد. إلا أن هذه الرواية تواجه انتقادات حتى من داخل الساحة الكردية نفسها، حيث يتحدث نواب معارضون عن وجود ما يعرف بـ”خطوط التنسيق” التي تمر عبرها بضائع ونفط ومشتقات مختلفة بعيداً عن الإجراءات الجمركية الطبيعية.

ويقول النائب الكردي المعارض علي حمه صالح إن مئات الملايين من الدولارات تضيع سنوياً بسبب غياب الرقابة الحقيقية على الإيرادات النفطية وغير النفطية، متسائلاً عن مصير الأموال المتأتية من بيع النفط الذي يغادر الإقليم عبر قنوات مختلفة. ويرى أن المشكلة لا تتعلق فقط بالخلاف مع بغداد، بل بطبيعة الإدارة الاقتصادية التي سمحت بنشوء شبكات حزبية وتجارية تستفيد من المنافذ والموارد بعيداً عن المؤسسات الرسمية.

وتكشف هذه المعطيات أن أزمة المنافذ الحدودية لم تعد مجرد خلاف إداري بين حكومتين، بل تحولت إلى ملف سيادي يرتبط بإدارة الثروة الوطنية وهيبة الدولة العراقية. فوجود عشرات المعابر غير الخاضعة للرقابة الاتحادية، وتضارب البيانات بشأن الإيرادات، واستمرار الاتهامات بتهريب النفط والبضائع، كلها عوامل تدفع نحو تساؤلات متزايدة بشأن حجم الأموال التي تخرج من الدورة الاقتصادية الرسمية، والجهات المستفيدة من استمرار هذا الواقع. وفي ظل غياب حلول حاسمة منذ سنوات، يبقى ملف معابر كردستان واحداً من أكثر الملفات إثارة للجدل، وأحد أبرز أسباب التوتر الدائم بين بغداد وأربيل.

شارك المقال عبر

تغطية مستمرة

المزيد