
بغداد – إيجاز
تتضارب القراءات التحليلية للمشهد العراقي بعد إعلان إيران إغلاق مضيق هرمز، إذ يرى بعض الخبراء أن السوق المحلية للوقود ما تزال مستقرة في ظل استمرار عمل المصافي وتوفر الخزين النفطي، بينما يحذر آخرون من اختناقات محتملة قد تعطل عمليات التكرير في حال تعذر تصدير النفط الأسود. وبين هذه القراءات المتباينة، تتصاعد المخاوف من انعكاسات مالية خطيرة قد تصل إلى حد توقف الإيرادات النفطية في ظل محدودية البدائل التصديرية وارتفاع مستوى المخاطر الأمنية في الحقول الجنوبية.
ويقول الخبير النفطي أحمد العسكر إن “الأزمة المرتبطة بمضيق هرمز حتى الآن ليست بالحجم الذي يتم تداوله إعلامياً، إذ إن السفن ما تزال تعبر المضيق وتصدر النفط إلى الخارج”، مبيناً أن “المشكلة الأساسية تكمن في مخاوف شركات النقل وبعض الدول من احتمال استهداف ناقلات النفط أثناء عبورها”.
ويضيف أن “إيران تحاول من خلال موقعها الجغرافي في الخليج العربي ممارسة نوع من الضغط على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة عبر التلويح بإغلاق المضيق”، مؤكداً أن “إغلاقه بالكامل سيؤدي إلى أزمة عالمية كبيرة في سوق الطاقة، لكن من المرجح ألا يستمر هذا الوضع لفترة طويلة”.
وفي وقت سابق حذر وزير الخارجية فؤاد حسين خلال اتصال مع نظيره الروسي سيرغي لافروف من أن العراق يواجه صعوبات متزايدة في تصدير نفطه، مشيراً إلى أن استمرار الحرب قد يؤدي إلى أزمة في سوق الطاقة العالمية وارتفاع الأسعار بما ينعكس على اقتصادات المنطقة والعالم.
ويشير العسكر إلى أن العراق يمتلك بعض البدائل التي يمكن اللجوء إليها في حال تعذر التصدير عبر الخليج، مثل نقل النفط عبر الأردن أو تركيا، إلا أن تفعيل هذه المسارات يعتمد على الاتفاقيات التي تعقدها وزارة النفط مع الدول المجاورة لتسهيل عملية النقل.
ويرى أن الحديث عن أزمة وقود داخل العراق غير دقيق في الوقت الراهن، موضحاً أن المشكلة الأساسية تتعلق بآلية تصدير النفط إلى الأسواق الخارجية وليس بتوفر النفط أو المشتقات داخل البلاد.
وينتج العراق حالياً نحو 4.4 ملايين برميل يومياً، يذهب قرابة مليون برميل منها للاستهلاك المحلي، فيما أعلنت وزارة النفط تقليص إنتاج الخام في الحقول الجنوبية بمحافظة البصرة التي تمثل نحو 80 بالمئة من إنتاج البلاد.
كما نقلت تقارير دولية عن مسؤولين عراقيين أن البلاد قد تضطر إلى خفض إنتاجها بأكثر من ثلاثة ملايين برميل يومياً خلال أيام إذا تعذر وصول ناقلات النفط إلى نقاط التحميل بسبب التوترات الأمنية في الخليج.
ويؤكد العسكر أن المصافي العراقية يمكن أن تستمر في العمل بصورة طبيعية، مبيناً أن النفط المنتج من الحقول يجري خزنه في الخزانات بانتظار توفر ناقلات لنقله إلى الأسواق العالمية.
ويضيف أن استمرار عمل المصافي يعني عدم حدوث أزمة في البنزين أو الغاز أو بقية المشتقات النفطية، بل قد يؤدي إلى زيادة المعروض في السوق المحلية نتيجة استمرار التكرير مع تعثر التصدير.
كما يشير إلى أن العراق يمتلك خزانات كبيرة لخزن المشتقات النفطية، وهو ما يعزز استقرار الإمدادات ويقلل من احتمالات حدوث نقص في الوقود، لافتاً إلى أن العمليات التشغيلية في الحقول التي غادرتها بعض الشركات الأجنبية تدار حالياً من قبل كوادر عراقية لضمان استمرار الإنتاج.
في المقابل، يحذر الخبير النفطي حيدر البطاط من احتمال حدوث أزمة وقود إذا استمر تعطل تصدير النفط الأسود، موضحاً أن ذلك قد يؤدي إلى اختناقات داخل المصافي وتعطيل عمليات التكرير.
ويقول البطاط إن “توقف التكرير سيؤدي بطبيعة الحال إلى توقف إنتاج البنزين والگاز، وهو ما قد يخلق أزمة وقود داخل البلاد”، مبيناً أن المشكلة قد تتفاقم في حال تعطل عمليات الاستيراد والتصدير في آن واحد.
ويرى أن الحل السريع يتمثل في نقل النفط عبر الصهاريج باتجاه الأردن وتركيا، مشيراً إلى أن من بين الخيارات الممكنة أيضاً حقن الفائض من النفط في الأرض كما كان يحدث خلال تسعينيات القرن الماضي.
بدوره يرى نائب رئيس الوزراء الأسبق بهاء الأعرجي أن توقف تصدير النفط يمثل ضربة كبيرة للاقتصاد العراقي، مبيناً أن إيقاف الإنتاج في هذه الظروف يترتب عليه تأثير مباشر على إيرادات الدولة.
وأشار إلى أن توقف التصدير يعني عملياً توقف تدفق الأموال إلى الخزينة العامة، موضحاً أن بعض الشحنات النفطية قد تكون بيعت مسبقاً لكنها تبقى مرتبطة بوصولها إلى الأسواق العالمية.
وأكد أن العراق كان بإمكانه تقليل تأثير الأزمة لو تم تفعيل منافذ تصدير بديلة في وقت مبكر، مثل خطوط الأنابيب باتجاه الأردن أو تركيا، بما يمنح البلاد قدرة أكبر على الاستمرار في التصدير خلال الأزمات.
وتشير بيانات تتبع السفن إلى انخفاض عدد ناقلات النفط الخام العابرة لمضيق هرمز بشكل حاد منذ اندلاع الحرب، إذ تراجع عددها إلى أربع ناقلات فقط في أحد الأيام مقارنة بمتوسط 24 ناقلة يومياً خلال الأشهر الماضية.
كما بقيت مئات الناقلات المحملة بالنفط والغاز الطبيعي المسال عالقة قرب موانئ رئيسية في الخليج، ما أدى إلى تعطيل وصول الشحنات إلى الأسواق في آسيا وأوروبا.
وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد أعلن في وقت سابق أن الولايات المتحدة ستوفر الحماية البحرية والتأمين للسفن المصدرة للطاقة من المنطقة، في محاولة لضمان استمرار تدفق النفط عبر الممرات البحرية.
في المقابل، يؤكد مسؤولون حكوميون أن العراق ما يزال قادراً على تصدير جزء من نفطه عبر ترتيبات خاصة.
وقال مستشار الشؤون الاستراتيجية في مستشارية الأمن القومي سعيد الجياشي إن العراق يجري اتصالاته عبر القنوات الدبلوماسية والأمنية لضمان استمرار التصدير، مؤكداً أن عمليات البيع والتصدير ما تزال مستمرة ضمن ترتيبات لا يتم الإعلان عن تفاصيلها بشكل كامل.
في الوقت نفسه، تعرضت منشآت نفطية في محافظة البصرة خلال الأيام الماضية لهجمات بطائرات مسيرة، من بينها مجمع برجيسية الذي يضم مرافق لشركات نفطية دولية، إضافة إلى هجوم آخر استهدف حقل الرميلة، أكبر حقول النفط في العراق، ما أدى إلى إيقاف بعض العمليات بشكل مؤقت وإجلاء عدد من الموظفين الأجانب كإجراء احترازي.
وتثير هذه التطورات مخاوف واسعة في العراق، إذ يعتمد نحو 45 مليون عراقي على عائدات النفط التي تمر عبر مضيق هرمز، وهو ما يجعل أي اضطراب في هذا الممر الحيوي تهديداً مباشراً للاستقرار المالي والاقتصادي في البلاد.