آخر الأخبار

العراق بين حل الأزمات وعودة الجهل الطائفي

رأي و موقف

كتب:عبدالسلام مأمون السامرائي

في العراق لا تنقصنا الأزمات حتى نبحث عن أزمات جديدة.
فالبلد يقف أمام ملفات ثقيلة تتعلق بالفساد وهيبة الدولة وحصر السلاح والاقتصاد والخدمات وهي ملفات تحتاج إلى قرارات سياسية ومؤسسات قادرة على تنفيذها.
وقد أكدت الرئاسات الأربع مؤخراً مواصلة العمل على حصر السلاح بيد الدولة ومكافحة الفساد الإداري والمالي فيما أعلنت الحكومة استمرار الحوار مع الفصائل بشأن تنظيم السلاح ضمن إطار الدولة.
وفي وسط هذا المشهد يعود الخطاب الطائفي إلى الواجهة من جديد.
القضية الأخيرة المرتبطة بالمنشد فاقد الموسوي والتي أعلن على خلفيتها ديوان الوقف السني اتخاذ إجراءات قانونية بسبب ما وصفه بإساءات للصحابة وزوجة النبي ﷺ ليست مجرد سجال عابر على مواقع التواصل.
فهي تكشف مشكلة أوسع تتعلق بقدرة خطاب ديني أو جماهيري على تحويل قضية محددة إلى مساحة استقطاب مذهبي واسعة.
وهنا لا تكمن المشكلة في الاختلاف نفسه.
فالاختلاف المذهبي جزء من التركيبة العراقية وحرية التعبير مكفولة ضمن الأطر القانونية كما أن لكل مكون الحق في الدفاع عن معتقداته ورموزه.
لكن الخط الفاصل يبدأ عندما يتحول التعبير إلى إساءة أو يتحول الرد على الإساءة إلى خطاب كراهية أو تصبح حادثة فردية وقوداً لصراع بين مجتمعين.
والأخطر من ذلك أن العراقي قد يجد نفسه مرة أخرى مدفوعاً إلى معركة لا علاقة لها بمشكلاته اليومية.
فالمواطن الذي يطالب بالكهرباء لا يسأل عن مذهب الموظف الذي سيحل مشكلته ومن يبحث عن فرصة عمل لا يعنيه مذهب صاحب القرار ومن ينتظر دولة قوية يريد قانوناً يحميه بصرف النظر عن هويته الدينية.
لذلك فإن إعادة إنتاج الخطاب الطائفي في كل أزمة تطرح سؤالاً مشروعاً: هل نحن أمام نقاش ديني حقيقي أم أمام استقطاب اجتماعي يجد طريقه إلى الواجهة لأن القضايا الأكثر تعقيداً لا تجد حلولاً بالسرعة نفسها؟
ليس من المسؤولية الصحفية أن نتهم جهة ما بأنها صنعت هذه الفتنة أو خططت لها من دون دليل.
لكن من المشروع أن نسأل من يمكن أن يستفيد سياسياً من مجتمع منشغل بصراعاته المذهبية بدلاً من مساءلة أصحاب القرار عن ملفات الدولة؟
فكلما ارتفع صوت الطائفة انخفض صوت المواطن.
وكلما تحول النقاش من الفساد إلى المذهب ومن أداء الدولة إلى سجالات التاريخ أصبح من السهل أن تتراجع الأسئلة التي تمس حياة الناس مباشرة.
وهنا تقع مسؤولية أكبر على الشخصيات الدينية والجماهيرية والإعلامية فالكلمة التي تقال أمام آلاف المتابعين ليست كالكلمة التي تقال في مجلس مغلق. وما قد يراه صاحبها تعبيراً عن موقف شخصي قد يتحول في فضاء التواصل الاجتماعي إلى مادة للاستقطاب والتحريض.
ولهذا فإن معالجة القضية لا تكون بإنتاج طائفة مقابل طائفة ولا بتحويل الرد على الخطأ إلى خطأ آخر وإنما بترك القانون يأخذ مجراه وبإبقاء الخلاف في حدوده وبمنع تحويل الأفراد إلى ممثلين لمذاهب بأكملها.

العراق لا يحتاج إلى المزيد من المعارك بين أبنائه.
بل يحتاج إلى دولة أقوى وقانون أكثر حضوراً ومؤسسات أكثر كفاءة ومحاسبة حقيقية للفساد ونقاش سياسي يجيب عن الأسئلة التي تؤثر في حياة العراقيين.
أما الطائفية فقد جربت بما يكفي.
وقد آن للعراقي أن يسأل قبل أن يدخل في كل معركة جديدة
هل هذه المعركة ستغير شيئاً من واقعي أم أنها فقط ستجعلني أنسى من المسؤول عن هذا الواقع؟

شارك المقال عبر

تغطية مستمرة

المزيد