آخر الأخبار

العراق تحت ضغط السيولة.. طباعة العملة تعود إلى الواجهة

بغداد – إيجاز

تواجه الحكومة العراقية أزمة سيولة خانقة بالدينار، أثّرت بشكل مباشر على قدرتها في تمويل النفقات التشغيلية والالتزامات الأساسية، ما دفعها إلى اللجوء لخيار “التيسير الكمي” وطباعة العملة بوصفه إجراءً مؤقتاً وحذراً لدعم الاستقرار المالي والنقدي. وبينما تؤكد الحكومة أن هذه الخطوة تخضع لرقابة فنية دقيقة وتستند إلى احتياطيات أجنبية ما تزال ضمن الحدود الآمنة، يحذر خبراء اقتصاديون من أن التوسع النقدي غير المدروس قد يقود إلى ارتفاع معدلات التضخم وتآكل القوة الشرائية للمواطنين.

ويقول المستشار المالي لرئيس الوزراء مظهر محمد صالح، إن “كفاءة الاحتياطيات الأجنبية وقدرتها على التدخل التعقيمي داخل السوق النقدية تسهم في حماية الاقتصاد الوطني من صدمة ميزان المدفوعات الحالية، المرتبطة بالقيود الجيوسياسية في مضيق هرمز، الذي يمثل الممر الرئيس لصادرات النفط العراقية”.

ويؤكد صالح، أن “سياسة الاقتراض عبر أدوات التيسير الكمي وطباعة العملة الحذرة، تمثل إحدى أهم أدوات دعم الاستقرار المالي والنقدي في العراق خلال المرحلة الحالية”، مشيراً إلى أن “عمليات خصم وتسييل السندات الحكومية عبر السوق المفتوحة بين المصارف والبنك المركزي، تشكل صمام أمان لحماية الاستقرارين المالي والسعري”.

ويضيف أن “إصدار النقد يجري وفق آليات فنية دقيقة وضمن حدود تضمن عدم تجاوز مستويات الاستقرار النقدي”، لافتاً إلى أن “الاحتياطيات الأجنبية للبنك المركزي ما تزال فوق الخط الأحمر، الأمر الذي يمنح السياسة النقدية مساحة للتحرك دون استنزاف احتياطي الدولار”.

ويشدد صالح على أن “عملية طباعة وتجهيز العملة العراقية تخضع لمعايير أمنية وفنية عالية، ضمن سياقات رقابية تهدف إلى الحفاظ على الاستقرار المالي والنقدي، بالتزامن مع استمرار التحديات المرتبطة بتمويل الإنفاق العام وضمان استدامة السيولة”.

ويتابع أن “الجمع بين متطلبات التيسير الكمي وتمويل احتياجات الموازنة التشغيلية، إلى جانب الحفاظ على استقرار سعر الصرف، يفرض أحياناً اللجوء إلى قرض إسناد وتوازن بالعملة الأجنبية”، موضحاً أن “هذا القرض يمثل دعماً لما يُعرف بالمرساة الاسمية في السياسة النقدية، أي المتغير الذي تعتمد عليه السلطة النقدية لتثبيت توقعات الأسواق والمواطنين تجاه التضخم والاستقرار النقدي”.

ويبين أن “الحاجة إلى الاقتراض الخارجي قد تنعكس إيجاباً على تعزيز الاحتياطيات الأجنبية، خصوصاً إذا اقتربت من الخط الأحمر، أي عندما تهبط نسبة تغطية الاحتياطيات الأجنبية لعرض النقد إلى أقل من حدود الاستقرار الآمن المقدرة بنحو 75 بالمئة”.

ويؤكد صالح أن “الحفاظ على مستوى كافٍ من الاحتياطيات الأجنبية يبقى أمراً ضرورياً لطمأنة الأسواق والمستثمرين ومنع تعرض سعر الصرف أو الأسعار إلى تقلبات حادة”، محذراً من أن “تراجع الاحتياطيات دون تعويض قد يفرض خيارات غير مرغوبة مثل تخفيض قيمة الدينار، بما يحمله ذلك من آثار سلبية على الثقة النقدية والنشاط الاقتصادي”.

ويرى أن “الاقتراض الخارجي عند الضرورة يمثل مناورة مالية ونقدية مؤقتة، هدفها الحفاظ على قدرة السياسة النقدية على التدخل وفرض التوازن داخل السوق، إلى حين انحسار الظروف الجيوسياسية وعودة صادرات النفط والتدفقات المالية إلى طبيعتها”.

في المقابل، يحذر الباحث في الشأن الاقتصادي أحمد عيد من أن “نجاح أدوات التيسير الكمي يعتمد على حجم استخدامها وطبيعة الاقتصاد وقدرة الدولة على ضبط الأسواق والإنفاق العام”، مبيناً أن “الاقتصاد العراقي ما يزال يعتمد بصورة كبيرة على النفط، في وقت يعاني فيه القطاع الإنتاجي من ضعف واضح”.

ويؤكد عيد أن “اللجوء إلى طباعة العملة قد يمنح الحكومة والبنك المركزي مساحة مؤقتة لمعالجة أزمة السيولة وتمويل بعض الالتزامات، لكنه لا يمثل حلاً اقتصادياً مستداماً ما لم يرتبط بزيادة حقيقية في الإنتاج والنشاط الاقتصادي”.

ويحذر من أن “التوسع النقدي غير المدروس قد يؤدي تدريجياً إلى ارتفاع معدلات التضخم وتراجع القوة الشرائية، خصوصاً إذا جرى ضخ كتل نقدية كبيرة دون نمو اقتصادي حقيقي يقابلها”.

ويضيف أن “زيادة السيولة داخل السوق دون زيادة موازية في السلع والخدمات تجعل الأسعار مرشحة للارتفاع”، مؤكداً أن “طباعة العملة لا يمكن أن تتحول إلى حل دائم لمعالجة العجز أو الأزمات المالية”.

ويلفت إلى أن “الاقتصادات الريعية تبقى شديدة الارتباط بتقلبات أسعار النفط والإيرادات الخارجية”، منبهاً إلى أن “استمرار الاعتماد على التوسع النقدي لسد العجز قد يقود مستقبلاً إلى اختلالات أعمق، تشمل ضعف الثقة بالعملة المحلية وارتفاع معدلات التضخم وزيادة الضغط على سعر الصرف”.

ويشير عيد إلى أن “حديث البنك المركزي بشأن وجود احتياطيات مريحة يبقى صحيحاً نسبياً، طالما أن هذه الاحتياطيات قادرة على حماية الاستقرار النقدي وتمويل الاستيراد والحفاظ على استقرار سعر الصرف”، موضحاً أن “الحدود الآمنة لهذه السياسات ترتبط بحجم العجز المالي ومستوى التضخم ومعدل نمو الاقتصاد الحقيقي، إضافة إلى قدرة الدولة على تنويع إيراداتها بعيداً عن النفط”.

ويمتلك العراق حالياً مجموعة من الفئات الورقية التي تغطي مختلف التعاملات المالية، بدءاً من الفئات الصغيرة مثل 250 و500 و1000 دينار، وصولاً إلى الفئات الأكبر مثل 5 آلاف و10 آلاف و25 ألفاً وحتى 50 ألف دينار المستخدمة في التعاملات الكبرى.

شارك المقال عبر

تغطية مستمرة

المزيد