آخر الأخبار

ملفات معلقة وعدالة مؤجلة.. من يعرقل إعادة أراضي المسيحيين في دهوك؟

صباح يوم السادس من تموز يوليو، تجمع عشرات المسيحيين في مركز مدينة دهوك، قادمين من أحيائها المختلفة، للمشاركة في احتجاج دعت له قوى وشخصيات مسيحية لانهاء ما وصفوه بـ”الظلم والتسويف وتعطيل الاحكام القضائية” الخاصة باستعادة أراضيهم، وهو ملف معلق منذ نحو ثلاثة عقود.

وكان يفترض ان ينضم الى المحتجين، مئات من الآشوريين والكلدان والسريان القادمين من باقي مناطق المحافظة ومن قرى مسيحية قريبة، لكنهم فشلوا أو تأخروا في دخول دهوك، بسبب اغلاق الطرق أمامهم، بحسب شهادات لمحتجين وبيانات من القوى التي دعت للاحتجاج.

المحتجون، وبينهم مسؤولون في قوى سياسية مسيحية مثل الحركة الديمقراطية الآشورية، ذكروا ان الانتهاكات المتعلقة بملف الاستيلاء على اراضيهم “مستمرة منذ عقود” ويجري تعطيل الأحكام القضائية الخاصة بها، واتهموا السلطات بالتواطؤ والتسويف، بما يدفع باتجاه احداث تغيير ديموغرافي في مناطقهم.

وذكرت سيدة مسنة، وهي ترفع بيدها علماً أرجوانياً يرمز الى الحركة الآشورية، بينما وقفت الى جانبها فتاة في العشرينات وهي تحمل لافتة صغيرة كتب عليها بالعربية “لا للمصادرة”، نحن هنا لنعبر عن استيائنا من استمرار التجاوزات على قرانا وأملاكنا من قبل متنفذين ومسؤولين محليين.

وتابعت، سلطات إقليم كردستان تتحمل مسؤولية عدم حسم هذا الملف بعد كل هذه السنوات، وعدم تطبيق الأحكام القضائية، هي تلتزم الصمت بل تقوم بالتواطؤ، وهو ما يدفعنا للاحتجاج ورفع القضية إلى أروقة المحافل الدولية كالفاتيكان والاتحاد الأوروبي.

الحراك المسيحي غير المسبوق تجاه السلطات الكردية المحلية، حظي بدعم مباشر من ثلاثة أحزاب مسيحية رئيسية هي الحركة الديمقراطية الآشورية (زوعا)، وحزب اتحاد بيت نهرين الوطني، والحزب الوطني الآشوري، وهو ما منحه بعدا سياسيا، خاصة ان تلك الأحزاب ليست على وفاق مع الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي يدير منطقة دهوك.

الاحتجاجات اعادت الى الواجهة ملفاً شائكاً يراوح مكانه منذ أكثر من ثلاثين عاما، إذ أكد المحتجون وقادتهم السياسيون، من خلال كلماتهم وهتافاتم، أن أزمة التجاوز على أراضيهم، تجاوزت حدود النزاعات العقارية الفردية لتتحول إلى “سياسة ممنهجة لقضم الأراضي واحداث تغيير ديموغرافي في المناطق التاريخية للمكونات”.

وعدو ذلك انتهاكا صارخا للدستور العراقي وكذلك لقانون حماية مكونات كردستان، الذي يعتبر أي سلوك أو سياسة سلبية تؤدي إلى تغيير الوضع الأصيل للمناطق التي تسكنها مكونات محددة أمراً محظورا. كما يمنع القانون أي تصرف في الملكية يكون هدفه، أو يؤدي إلى إحداث تغيير ديموغرافي.

2

مشكلة قديمة ولجان متوالية دون حل

وفي مؤشر يعكس عمق المشكلة، أقر نائب محافظ دهوك للشؤون الإدارية، شمعون شليمون، وهو نفسه من أبناء منطقة “نهلة” التي تعرضت للتدمير اربع مرات أبان حكم نظام حزب البعث، بتعقد الملف وفشل حسمه رغم محاولاتهم المتكررة، مبرراً ذلك بحاجته إلى فترة زمنية طويلة لحسمه، نتيجة تراكمات عقود من الزمن.

ويقول:”هذه المشكلة موجودة منذ خمسين عاما، جزء صغير منها تمت معالجته، وجزء آخر ما يزال في المحاكم دون حل، في حين أن أجزاءً أخرى من الصعب معالجتها، فهي تتطلب موافقة ورضا الطرفين ومبالغ مالية كبيرة للتعويض أو قطع أراضٍ بديلة، وهو أمر صعب في الوقت الحالي”، مبينا أن الجهود مستمرة على مستوى رئاسة الإقليم والحكومة لايجاد حلول.

شليمون عبر عن دعمه لمطالب المسيحيين من أبناء تلك المناطق، مشيراً إلى أن القضية لا تتعلق بمطالبتهم بامتيازات، بل بحق مشروع لاستعادة أراضيهم، رافضاً في الوقت ذاته تقديم تعويضات رمزية متمثلة بقطع أراضٍ سكنية صغيرة بدلاً من اعادة أراض قراهم التاريخية.

يوضح :”لم نطلب شيئاً ليس من حقنا.. عاش آباؤنا وأجدادنا في تلك القرى، واليوم لا نطالب إلا بإعادتها. نحن أصحاب البيوت، فكيف يمكن تعويضنا بقطعة أرض مساحتها 200 متر؟ ذلك غير مقبول. وفوق كل هذا، لم يتم تعويض أي شخص حتى الآن.”

1

خارطة طريق وقرارات حبر على ورق

فريد يعقوب، نائب السكرتير العام للحركة الديمقراطية الآشورية، تحدث عن توثيق تعرض (56) قرية مسيحية للتجاوز في حدود محافظة دهوك، وأكد فشل “خارطة الطريق” التي وضعتها لجان حكومية رفيعة المستوى منذ العام 2017 لتفكيك الأزمة عبر مراحل متعددة.

شملت الأولى، خمس قضايا كانت المحاكم قد حسمتها لصالح المسيحيين، ولم يبقَ سوى تنفيذ الأحكام، إلا أنها لم تُنفذ. أما الثانية فكانت خاصة بازالة التجاوزات في عدد من القرى مقابل تعويض المتجاوزين، وبقي الملف معلقاً، بحسب يعقوب.

أما المرحلة الثالثة، فتضمنت المناطق التي تحتاج إلى مبالغ مالية كبيرة لتعويض أصحابها، وتقرر تقسيمها إلى عدة مراحل، يتم تعويض عدد من العائلات في كل مرحلة. بينما تركزت المرحلة الرابعة على المجمعات السكنية والقرى التي لم يبق فيها أي وجود مسيحي، حيث تقرر تعويض مواطنيها السابقين. إلا أن شيئا من ذلك لم يتحقق.

وأوضح أسباب الفشل: “بقيت القرارات القضائية النهائية حبراً على ورق دون تنفيذ إداري، وجُمدت مساعي رفع التجاوزات أو تعويض المتضررين مالياً”.

ويسوق يعقوب دليلاً حياً من منطقة “نهلة” حيث أصدرت محكمة “بامرني”، وهي بلدة تابعة لدهوك، حكماً يثبت عائدية قرية “كشكاوا” للمسيحيين، غير أن القرار جُمِّد إدارياً، مما سمح لمتجاوزين قبل أسابيع بزراعة أراضي القرية عنوة بقوة النفوذ.

الحسابات الانتخابية ونفوذ “الأغوات”

وتشير تصريحات شخصيات مسيحية داخل المؤسسات الدينية الرسمية في الإقليم، إلى أن العلة الحقيقية لا تكمن في غياب النصوص القانونية أو الأحكام القضائية، بل في انعدام الإرادة التنفيذية لدى السلطات لتطبيق القرارات وتوصيات اللجان المتعاقبة.

ويرجع، خالد جمال، مدير شؤون المسيحيين في وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بحكومة الإقليم، الامتناع عن تطبيق القانون إلى الحسابات السياسية والانتخابية الضيقة للمسؤولين والمتنفذين المحليين (الأغوات)، الذين يخشون خسارة الأصوات الانتخابية للكتل العشائرية المتجاوزة في حال تطبيق القانون وإعادة الحقوق لأصحابها.

ويقول ان ذلك جعل الأحكام القضائية القطعية، تفقد قيمتها الفعلية، ليترسخ الأمر الواقع ويتم استنزاف أصحاب الحقوق ودفعهم نحو اليأس والهجرة خارج البلاد “اليوم ازدادت التجاوزات على الأراضي، وأصبحت قرارات المحاكم مجرد كلمات على الورق، وهذا زاد من غضب المسيحيين ويأسهم.”

ويردد مسيحيون متضررون أسماء لشخصيات عشائرية متنفذة في المنطقة، يتهمونها بعرقلة تطبيق بعض الأحكام القضائية، أو تعطيل تنفيذ توصيات وخطوات اللجان الحكومية التي تشكلت في السنوات الماضية.

تجاوز على الهوية التاريخية

الملف الذي فشلت السلطات الكردية طوال ثلاثة عقود في حله، بدأ يتعقد أكثر في السنوات الاخيرة، مع التكييف القانوني لطبيعة بعض الأراضي المستهدفة في إقليم كردستان، عبر تغيير جنسها.

الأراضي محل النزاع والتقاضي، تنقسم إلى أراض “الملك الصرف” المسجلة بسندات رسمية ويمثل الاستيلاء عليها “قرصنة علنية” كما يقول أصحابها. وأراض “أميرية” مملوكة للدولة وتحديدا لوزارتي الزراعة والمالية، لكن تتوارث العائلات المسيحية زراعتها واستغلالها منذ أجيال.

وفي النوع الثاني حين تقوم الحكومة بإلغاء حق الانتفاع، تعوض الفلاحين بقطعة ارض مساحتها 200 الى 250 متر مربع مقابل كل دونم من الأرض الزراعية، سواء في الموقع نفسه أو في موقع آخر.

ربما ما سرع من خروج الاحتجاج المسيحي الى العلن، سعي إدارة دهوك على إطفاء حق التصرف في أراضٍ تتبع مناطق مسيحية بقضاء سيميل، تمهيدا لدمجها وتوزيعها كقطع سكنية على الموظفين، وهو ما اعتبره المنتفعون منها، “غبناً كبيراً، كما يطمس الهوية التاريخية لقراهم ويحرمهم من أراضيهم الى الأبد”.

وكان ايزيديون، قد احتجوا بدورهم، في العامين الماضيين، على خطط حكومية لإطفاء أراض زراعية في مناطق انتشارهم، بقصد توزيعها على الموظفين، عادين ذلك تهديدا لديمغرافية مناطقهم، حيث ستصبح ذات أغلبية مسلمة بمجرد توزيع القطع السكنية فيها.

0

الرواية الرسمية تحصر الأزمة في “الإطار الفردي”

السلطات المحلية في دهوك، ومن خلال سلسلة لقاءات مع نواب وشخصيات مسيحية، سعت الى احتواء الموضوع، بتوجيه رسائل الى الجهات الداعية للاحتجاج، بجديتها في حسم المشكلة.

وتعهد محافظ دهوك علي تتر، بمعالجة المشاكل العقارية للمسيحيين وفق الأطر القانونية، باعتبارها مشاكل شخصية وتتعلق بنزاعات فردية قديمة تعود إلى زمن النظام السابق، مؤكدا التزام حكومة الإقليم “بحماية حقوق المكونات كافة”، محاولاً ابعاد تصور كون الأزمة ذات بعد قومي مكوناتي.

لكن تصريحات المحافظ قوبلت بالتشكيك من محتجين وأوساط مسيحية، وصفتها بالمناورات الإعلامية المتأخرة ومحاول لشراء الوقت، خاصة ان المشكلة مستمرة منذ عقود وتتوالى التعهدات بحلها دون أن تتحقق.

منصة (ANB) الآشورية، التي نشطت في الدعوة للاحتجاج، ذكرت ان محافظ دهوك نفسه في أيار من العام 2022 في قرية بادرش في ناحية سرسنك التي شهدت توتراً بسبب محاولة استيلاء على اراض زراعية تعود لفلاحين آشوريين، أطلق نفس التعهدات “لا أحد فوق القانون. سنحل جميع مشاكل التجاوزات. الحق سيعود إلى أصحابه بعد استكمال الإجراءات”. لكن شيئا لم يتحقق وبقي الملف معلقاً.

منصات اعلامية آشورية، نقلت على لسان مسؤولين مسيحيين تأكيدهم على امكانية العودة للاحتجاج، اذا لم يتم انهاء حالة تعطيل القرارات القضائية وتسريع خطوات حسم الملف، مشيرة الى أن “الإرادة الشعبية” المؤكدة على حق التظاهر ستستمر حتى الانتقال من الوعود الشفهية إلى التطبيق الفعلي لسيادة القانون على الجميع دون استثناء.

ونقلت (ANB) قصة “آشور توما هرمز” الذي وقف في مقدمة المحتجين، كمثال للمشكلة المزمنة، قائلة ان “آشور” هو أبن أحد المعارضين المعروفين لنظام البعث، والذي سُجن وعُذب وصودرت أملاكه وممتلكاته، وهجر من وطنه.

وذكرت، ان منزل العائلة في قرية “بليجاني” التابعة لقضاء العمادية كان يحتضن لقاءات مسؤولين في المعارضة العراقية في زمن البعث، وانه شقيقه “يوسف” أعدم بسبب نشاطه السياسي في الحركة الآشورية، من قبل نظام صدام في العام 1985.

كل ذلك التأريخ، لم يُمكن “آشور” من استعادة أراض عائلته البالغة نحو 16000 متراً مربعاً، فهي مازالت محل نزاع. تقول (ANB) :”لهذا، عندما حمل آشور مكبر الصوت في احتجاج دهوك، لم يكن يهتف من أجل قضية طارئة، بل كان يكمل مسيرة عائلة، أبٌ سُجن وصودرت أملاكه، وأخ أُعدم، وأرضٌ ما زالت تنتظر العدالة”.

التحقيق أنجز من قبل “نيريج”

شارك المقال عبر

تغطية مستمرة

المزيد