
بغداد – إيجاز
وسط تضارب واضح بين الخطاب الرسمي والواقع الميداني، تنفي وزارة النفط وجود أزمة حقيقية في مادة الغاز، معتبرة أن ما يحدث يعود إلى زيادة الطلب ونشاط ما تصفه بـ“تجار الأزمات”، في وقت يتحدث فيه أصحاب المطاعم والمواطنون عن شح حاد وارتفاع كبير في الأسعار، ما يعكس صورة مغايرة تماماً لما يُعلن رسمياً
ويؤكد المتحدث باسم وزارة النفط عبد الصاحب بزون أن الإنتاج الحالي يبلغ نحو 5 آلاف طن يومياً، وهو مستوى يوازي حجم الاستهلاك، مع توفر خزين مناسب، مشيراً إلى أن البلاد تمر بظروف استثنائية مرتبطة بالحرب وإغلاق مضيق هرمز، ما انعكس على إنتاج النفط الذي تراجع من نحو 4.5 ملايين برميل يومياً إلى حوالي 1.4 مليون، وهو ما أدى بدوره إلى انخفاض كميات الغاز المصاحب
ويشير بزون إلى وجود تلاعب من قبل بعض الناقلين وتجار الأزمات، معتبراً أن الأرقام الرسمية لا تدعم وجود أزمة حقيقية، لافتاً إلى أن المجمعات السكنية لا تواجه صعوبات في الحصول على الغاز، كونه يُستخدم بشكل مباشر دون تخزين
في المقابل، يعكس الواقع الميداني صورة مختلفة، إذ يؤكد أصحاب مطاعم في بغداد توقف أعمالهم نتيجة عدم توفر الغاز بالكميات المطلوبة، ما أدى إلى تعطّل عشرات العمال، مع استمرار التزاماتهم المالية من أجور وضرائب وخدمات، في وقت لا يحصلون فيه إلا على كميات محدودة لا تغطي احتياجاتهم اليومية
ويقول أحد أصحاب المطاعم إن حصته اليومية لا تتجاوز قنينتين، بينما يحتاج إلى نحو 25 قنينة لتشغيل مطعمه، ما اضطره إلى إغلاقه مؤقتاً، محذراً من تأثير ذلك على أرزاق العاملين واستمرار المشاريع الصغيرة
كما اضطر بعض أصحاب المشاريع إلى شراء الغاز من السوق بأسعار مرتفعة وصلت إلى 25 ألف دينار للقنينة، مع توقعات بارتفاعها أكثر، في ظل زيادة الطلب وشح المعروض
وفي محاولة لاحتواء الأزمة، أعلنت وزارة النفط تخصيص منفذين في بغداد لتجهيز المطاعم والمقاهي بالغاز، أحدهما في ساحة باب المعظم في جانب الرصافة، والآخر في ساحة غاز الرسالة في الكرخ، لتأمين احتياجات القطاعات المهنية
بالتوازي، بدأت تداعيات الشح تظهر في الأسواق، حيث ارتفعت أسعار البدائل مثل “الچولة” بشكل كبير نتيجة الإقبال المتزايد عليها، بعد نفادها من العديد من المحال
ويرى خبراء اقتصاديون أن ما يجري يمثل أزمة طاقة مركبة، تتداخل فيها عوامل سوء الإدارة وضعف التخطيط والاعتماد الكبير على الاستيراد، إضافة إلى عدم استثمار الغاز المصاحب بالشكل المطلوب، ما جعل العراق عرضة لأي اضطراب خارجي، خصوصاً مع اعتماده بنسبة كبيرة على الغاز المستورد
ويشير مختصون إلى أن خسائر بمليارات الدولارات تكبّدها قطاع الطاقة خلال السنوات الماضية، دون تحقيق استقرار حقيقي، رغم الإمكانات المتاحة، مؤكدين أن الحلول بعيدة المدى تتطلب استثمار الغاز المصاحب وتنويع مصادر الطاقة
كما أن مشاريع الربط الإقليمي والطاقة البديلة لم تُستثمر بالشكل الكافي، ما يحدّ من قدرة البلاد على مواجهة الأزمات، خاصة مع اقتراب فصل الصيف وارتفاع الطلب على الطاقة
وبحسب التقديرات، فإن الحلول السريعة تبقى محدودة في ظل الوضع السياسي الحالي، مع ضرورة تنظيم توزيع الغاز إلكترونياً، وتشديد الرقابة على السوق، وطمأنة المواطنين لتقليل حالة الهلع
ويحذر خبراء من أن استمرار إغلاق مضيق هرمز سيزيد من الضغوط على الاقتصاد العراقي، في ظل اعتماد البلاد الكبير على النفط وصادراته عبر موانئ البصرة، مع محدودية البدائل المتاحة حالياً
ورغم ذلك، يشير مختصون إلى أن الأزمة، وإن كانت حقيقية، إلا أنها ليست بالحجم الذي يتم تداوله، ويمكن احتواؤها من خلال إدارة فعالة للسوق وتدخل حكومي صارم للحد من الاحتكار وضبط الأسعار، في وقت تبقى فيه الحاجة ملحّة لوضع استراتيجية طاقة واضحة تمنع تكرار مثل هذه الأزمات مستقبلاً