
بغداد – إيجاز
لم تعد خسائر الحزب الديمقراطي الكردستاني في بغداد تُقرأ كتعثرات عابرة أو نتائج ظرفية، بل باتت تتراكم ضمن مسار واضح يشير إلى تراجع قدرته على فرض شروطه السياسية، سواء داخل المعادلة الكردية أو في فضاء التوازنات الاتحادية التي تغيّرت ملامحها خلال الفترة الأخيرة.
ففي واحدة من أبرز المحطات، أخفق الحزب في تمرير مرشحه لمنصب النائب الثاني لرئيس مجلس النواب، شاخوان عبد الله، رغم ما امتلكه من ثقل سياسي وخبرة برلمانية، ليجد نفسه مضطراً للقبول بخيار بديل تمثل في طرح فرهاد الأتروشي بدفع من تحالفات يقودها محمد الحلبوسي، في مشهد عكس بوضوح تراجع قدرة الحزب على التحكم بمسارات التفاوض، وخضوعه لمعادلات فرضها لاعبون جدد داخل بغداد.
هذا التحول لم يكن معزولاً، بل جاء متسقاً مع خسارة أكثر إيلاماً تمثلت بعدم حصول الحزب على منصب رئاسة الجمهورية، وهو المنصب الذي ظل لسنوات جزءاً من توازن غير مكتوب داخل البيت الكردي، قبل أن ينجح الاتحاد الوطني الكردستاني في حسمه لصالح مرشحه نزار آميدي، مستفيداً من شبكة تحالفات أكثر مرونة داخل بغداد، مقابل تمسك الديمقراطي بخيارات صلبة لم تعد تنسجم مع الواقع السياسي الجديد.
وبين هاتين الخسارتين، تكشف مواقف الحزب عن إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة إدارته للملف السياسي، إذ بدا في أكثر من محطة متكئاً على خطاب “الاستحقاق الانتخابي” داخل الإقليم، في وقت باتت فيه قواعد اللعبة في بغداد تقوم على بناء التحالفات العابرة للمكونات، والتكيف مع توازنات متحركة لا تعترف بثبات الأحجام التقليدية.
وهذا الخلل في القراءة السياسية انعكس مجدداً في ملف كركوك، حيث تلقى الحزب ضربة جديدة مع انتخاب محمد سمعان محافظاً للمحافظة، ضمن اتفاق تدوير المناصب بين المكونات، في خطوة قاطعها ممثلو الحزب ورفضها بشكل قاطع، معتبراً أنها نتاج “صفقات سياسية” أُبرمت خارج إطار الشراكة.
غير أن هذا الرفض، بحسب مراقبين، لا يغيّر من حقيقة أن الحزب وجد نفسه خارج معادلة القرار في واحدة من أكثر المحافظات حساسية، بعدما تمكنت قوى أخرى من تمرير الاتفاق وتنفيذه عملياً على الأرض، مستفيدة من توافقات سياسية لم يكن الديمقراطي جزءاً منها، أو لم يتمكن من تعطيلها كما كان يفعل في مراحل سابقة.
وما يزيد من حدة هذه الخسارة، أن كركوك لا تمثل مجرد ملف إداري أو منصب تنفيذي، بل تعد ساحة اختبار لنفوذ الأحزاب الكردية، ومؤشراً على قدرتها في إدارة التوازنات المعقدة داخل المحافظات المتنازع عليها، وهو ما يجعل خروج الحزب من هذا الملف أو تراجعه فيه مؤشراً سياسياً ذا دلالات أوسع.
وفي موازاة ذلك، يظهر خطاب الحزب في هذه المرحلة وكأنه محاولة لتعويض الخسارة عبر التصعيد الإعلامي، والحديث عن “الصفقات المغلقة” و”تجاوز الإرادة الشعبية”، غير أن هذا الخطاب، وفق تقديرات سياسية، يعكس في جوهره أزمة نفوذ أكثر مما يعكس موقفاً مبدئياً، خصوصاً مع تكرار مشاهد التراجع في أكثر من ملف داخل بغداد.
كما أن الإصرار على إدارة الصراع بمنطق الصدام أو الانسحاب، بدل إعادة التموضع وبناء تحالفات جديدة، قد يفاقم من عزلة الحزب، في وقت تتجه فيه القوى السياسية الأخرى إلى إعادة تشكيل تحالفاتها وفق معادلات أكثر براغماتية، تتيح لها الحفاظ على حضورها داخل مؤسسات الدولة.
وفي ظل هذه المعطيات، يبدو أن الحزب الديمقراطي الكردستاني يواجه اختباراً حقيقياً يتعلق بقدرته على التكيف مع مرحلة سياسية مختلفة، لم تعد فيها القوة الانتخابية داخل الإقليم كافية لضمان النفوذ في بغداد، ولا الخطاب التصعيدي قادراً على تعويض الخسائر المتراكمة.