آخر الأخبار

مطالبات واسعة بـ”ردع” هيئة الإعلام والاتصالات بعد التخبط في إيقاف البرامج

بغداد – إيجاز
تواجه هيئة الإعلام والاتصالات انتقادات متصاعدة بشأن حدود صلاحياتها وطبيعة الإجراءات التي تتخذها بحق القنوات والبرامج والإعلاميين، وسط مطالب بإعادة تنظيم عملها بقانون واضح يحدد مسؤولياتها ويضمن عدم تحول دورها التنظيمي إلى وسيلة لتقييد حرية التعبير، وفيما يرى مختصون أن تنظيم الخطاب الإعلامي يمثل ضرورة لحماية الجمهور ومنع التحريض والتشهير، يذهب آخرون إلى أن بعض القرارات تجاوزت الإطار التنظيمي ودخلت في نطاق معاقبة الأشخاص على آرائهم ومواقفهم.

ومنذ مطلع آب أغسطس الجاري، اتخذت الهيئة عدداً من الإجراءات بحق قنوات وبرامج وإعلاميين ومحللين سياسيين، شملت منع الظهور وإيقاف برامج وفرض إنذارات وغرامات، من بينها 18 قراراً فردياً على الأقل بمنع إعلاميين ومحللين وشخصيات عامة من الظهور لفترات متفاوتة، إلى جانب إجراءات أخرى طالت مؤسسات وبرامج إعلامية، الأمر الذي أعاد إلى الواجهة الجدل بشأن طبيعة الصلاحيات التي تمتلكها الهيئة والأساس القانوني الذي تستند إليه في التعامل المباشر مع الأفراد.

حرية التعبير

ويقول عضو تحالف الدفاع عن حرية التعبير علي عبد الزهرة، إن تنظيم الخطاب الإعلامي ووسائل الإعلام يمثل أمراً مطلوباً، شريطة ألا يتحول إلى أداة تمس حرية التعبير، مبيناً أن التجاوز على الآخرين أو انتهاك حرياتهم ومعتقداتهم يمكن أن يخضع لإجراءات قانونية ضمن الأطر المعتمدة

ويضيف عبد الزهرة أن مهمة هيئة الإعلام والاتصالات لا ينبغي أن تتحول إلى مراقبة المواقف والآراء داخل البرامج التلفزيونية واتخاذ إجراءات بحق ما لا يحظى بقبولها، مشيراً إلى أن عدداً من قرارات الهيئة تعرض للطعن أمام القضاء، وأن بعض الإجراءات ألغيت بقرارات قضائية.

ويرى أن إيقاف مقدمي البرامج بسبب عدم مقاطعتهم للضيوف أو اعتراضهم على آرائهم يمثل إشكالية في فهم طبيعة العمل الإعلامي، لأن مقدم البرنامج يتولى إدارة الحوار وطرح الأسئلة وتنظيم النقاش، وليس بالضرورة الاعتراض على مضمون كل رأي يطرحه الضيف، معتبراً أن تحميله مسؤولية مواقف الضيوف بصورة مباشرة يوسع نطاق المساءلة إلى حدود قد تتجاوز دوره المهني

ويؤكد عبد الزهرة أن الهيئة مطالبة بإعادة النظر في لوائح العقوبات والتنظيم الخاصة بها، بما يضمن الفصل بين تنظيم المؤسسات الإعلامية وبين معاقبة الأشخاص على آرائهم، لافتاً إلى أن استقلال الهيئة عن التجاذبات السياسية يمثل شرطاً أساسياً لقيامها بدورها بصورة مهنية، بعيداً عن الحسابات الحزبية والمواقف السياسية.

وكانت الهيئة قد أكدت أن إجراءاتها تستند إلى الأمر التشريعي رقم 65 لسنة 2004 وإلى لوائح وقواعد البث الإعلامي، وأن هدفها يتمثل في تنظيم القطاع وحماية الجمهور والسلم المجتمعي وليس تقييد الرأي، فيما أعلنت في 9 حزيران يونيو الماضي ضوابط للظهور الإعلامي للضيوف، شددت فيها على أن حرية التعبير حق دستوري، مع ضرورة التمييز بين الرأي والمعلومة والتحقق من الأخبار ومنع التحريض على العنف والكراهية والتمييز والتشهير.

صلاحيات محل جدل

ويشير المحلل السياسي نزار حيدر إلى أن مجلس النواب لم يشرع حتى الآن قانوناً خاصاً ينظم عمل هيئة الإعلام والاتصالات، رغم أن المادة 103 من الدستور العراقي لعام 2005 عدتها هيئة مستقلة تخضع في عملها للقانون.

ويضيف حيدر أن الهيئة ما تزال تعمل بموجب أمر سلطة الائتلاف المؤقتة رقم 65 لسنة 2004، مبيناً أن الأمر ينظم عملها في ما يتعلق بالشركات والقنوات ووسائل البث وخدمات الاتصالات والإعلام، ولا يتضمن، بحسب قراءته، نصاً واضحاً يجي معاقبة الأشخاص بشكل مباشر.

ويتابع أن توسع الهيئة في إصدار قرارات تستهدف الإعلاميين والمحللين والأفراد يثير سؤالاً بشأن حدود صلاحياتها، خصوصاً عندما تتحول الإجراءات من تنظيم المؤسسات ووسائل البث إلى فرض قيود مباشرة على الظهور الإعلامي للأشخاص.

ويرى حيدر أن الإشكالية لا تتعلق فقط بغياب قانون خاص بالهيئة، وإنما تمتد إلى مدى استقلاليتها في ممارسة صلاحياتها، مشيراً إلى أن الدستور نص على استقلالها مالياً وإدارياً، بينما أثارت طريقة إدارتها خلال السنوات الماضية انتقادات تتعلق بتأثير التوازنات السياسية على قراراتها.

ويعتبر أن استمرار إصدار قرارات الحظر بحق إعلاميين ومحللين يفتح نقاشاً أوسع بشأن مستقبل حرية التعبير، خصوصاً عندما تطال الإجراءات أصواتاً تمتلك مواقف وآراء مستقلة، مبيناً أن تحول الجهة التنظيمية إلى مؤسسة تمتلك أدوات عقابية واسعة من دون إطار تشريعي تفصيلي قد يترك مساحة كبيرة للتأويل والاجتهاد في تطبيق القواعد

الإطار القانوني

من جانبه، يؤكد الخبير القانوني عدنان الشريفي أن هيئة الإعلام والاتصالات تستمد صلاحياتها من الأمر رقم 65 لسنة 2004، الذي أنشأها بوصفها جهة تنظيمية مستقلة تتولى إدارة الطيف الترددي وتنظيم البث الإعلامي وقطاع الاتصالات، إلى جانب وضع القواعد واللوائح المتعلقة بالعمل الإعلامي.

ويوضح الشريفي أن الأمر منح الهيئة صلاحيات الضبط الإداري اللازمة لتطبيق الشروط المنظمة لعمل وسائل الإعلام والاتصالات، بما في ذلك فرض عقوبات متدرجة تبدأ بالتنبيه وقد تصل إلى الغرامة أو إيقاف البث، بهدف ضمان التزام الوسائل الإعلامية بشروط التراخيص والقواعد المنظمة

لكنه يرى أن الإشكالية الأساسية تكمن في مدى استقلالية الهيئة عند ممارسة هذه الصلاحيات، لافتاً إلى أن آليات اختيار إدارتها خلال السنوات الماضية أثارت جدلاً بشأن خضوعها للتوازنات السياسية، الأمر الذي يمكن أن ينعكس على طبيعة القرارات الصادرة عنها.

ويبين أن استخدام العقوبة الإدارية لتحقيق غرض سياسي أو لتصفية حسابات مع جهات أو أشخاص يمكن أن يدخل، من الناحية القانونية، في إطار ما يعرف بانحراف السلطة، موضحاً أن المتضرر يستطيع اللجوء إلى القضاء الإداري والطعن في القرار إذا تمكن من إثبات أن الغاية منه لم تكن تحقيق الهدف الذي حدده القانون، وإنما استخدام الصلاحية لتحقيق غرض آخر.

وتتجدد بذلك المطالب بضرورة حسم الإطار التشريعي لهيئة الإعلام والاتصالات، بما يحدد بدقة حدود صلاحياتها وآليات محاسبتها وطرق الطعن بقراراتها، مع ضمان التوازن بين تنظيم القطاع الإعلامي وحماية المجتمع من الخروقات وبين صيانة حرية التعبير وعدم تحويل الإجراءات التنظيمية إلى قيود على الآراء والمواقف.

شارك المقال عبر

تغطية مستمرة

المزيد