
ايجاز عراق ..
يرى المراقب السياسي جمال الطائي أن العراق يقف أمام مرحلة سياسية وجيوسياسية شديدة التعقيد، تتقاطع فيها ملفات السيادة والمياه وحصر السلاح بيد الدولة، مع تصاعد الضغوط الإقليمية والدولية وتزايد الأزمات الاقتصادية والسياسية التي بدأت تخرج إلى العلن.
ويشير الطائي إلى أن ملف السيادة العراقية بات أمام تحديات كبيرة، في ظل تداخل أدوار قوى خارجية في المشهد العراقي، سواء عبر الضغوط والتحركات الأميركية، أو من خلال الدور الإيراني وأذرعه في العراق. ويعتقد أن الحكومة العراقية تجد نفسها أمام معادلة صعبة، تتحرك فيها بين ضغوط الولايات المتحدة من جهة، وإيران والفصائل المسلحة من جهة أخرى، في وقت تسعى فيه إلى تثبيت قرار الدولة ومعالجة ملفات حصر السلاح ومكافحة الفساد والإصلاح الاقتصادي.
ويضيف في حواره لـ “ايجاز عراق”، أن بعض الفصائل المسلحة تستخدم وجود القوات الأجنبية في العراق مبرراً لاستمرار الاحتفاظ بالسلاح، فيما ترى الحكومة أن بناء دولة مستقرة يتطلب حصر قرار السلاح بيد المؤسسات الرسمية، الأمر الذي يجعل ملف السيادة مرتبطاً بشكل مباشر بقدرة الدولة على فرض قراراتها.
العراق في قلب المعادلة الجيوسياسية
وعلى المستوى الجيوسياسي، يرى الطائي أن موقع العراق يجعله محوراً رئيسياً في معادلات الشرق الأوسط الجديدة، نظراً لحدوده وموقعه الاستراتيجي بين إيران وتركيا وسوريا والأردن والسعودية والكويت، فضلاً عن امتلاكه موارد الطاقة ومنافذ مائية وبرية مهمة.
ويشير إلى أن بعض الخطابات المتشددة داخل الفصائل تنظر إلى دول الجوار من زوايا أيديولوجية وأمنية، فتتعامل مع الأردن بوصفه ساحة محتملة لخصوم سياسيين، فيما ترتبط النظرة إلى سوريا بالتطورات التي أعقبت سقوط حليف إيران هناك، بينما يبقى ملف المياه أحد أبرز مصادر التوتر مع تركيا.
أما السعودية والكويت، بحسب الطائي، فتدخلان أيضاً ضمن حسابات إقليمية وأيديولوجية مختلفة لدى بعض الأطراف، الأمر الذي يجعل ملف السلاح لا يرتبط بالبعد الأمني وحده، وإنما يتقاطع مع رؤية أوسع لطبيعة علاقة العراق بمحيطه العربي والإقليمي.
30 أيلول.. الموعد الأكثر حساسية
ويرى الطائي أن 30 أيلول المقبل قد يمثل محطة مفصلية في مسار العلاقة بين الدولة والفصائل المسلحة، باعتباره اختباراً حقيقياً لمدى قدرة الحكومة على تحويل شعار حصر السلاح بيد الدولة إلى إجراءات فعلية.
ويحذر من أن المرحلة المقبلة قد تشهد تصعيداً سياسياً وأمنياً وإعلامياً متبادلاً، خصوصاً في حال انتقال الخلاف من مستوى الحوار والضغوط السياسية إلى إجراءات ميدانية ضد مقرات أو تشكيلات مسلحة.
وفي هذا السياق، يلفت إلى أن التهديدات والتسريبات التي طالت شخصيات سياسية وقضائية وأمنية، إلى جانب الحديث عن محاولات استهداف شخصيات بارزة، تعكس مستوى التوتر الذي قد يرافق هذه المرحلة.
صراع الإرادات أم فرض سلطة الدولة؟
ويعتقد الطائي أن رئيس الحكومة علي الزيدي يدرك أن استمرار ملف السلاح خارج الإطار الرسمي يشكل عائقاً أمام الاستثمار والتنمية والعلاقات الدولية للعراق، فضلاً عن تأثيره في صورة الدولة وقدرتها على اتخاذ قرارات مستقلة.
ويرى أن الحكومة أمام خيار بالغ الصعوبة: إما التوصل إلى تسوية سياسية وقانونية تحفظ هيبة الدولة وتمنع الانزلاق إلى المواجهة، أو الدخول في مسار أكثر خطورة إذا رفضت الفصائل أي صيغة لإعادة تنظيم السلاح والقرار الأمني.
ويحذر من أن أي مواجهة داخلية واسعة ستكون مكلفة في ظل هشاشة الوضع الاقتصادي، وتداعيات أزمة مضيق هرمز، والضغوط على الإيرادات والرواتب، فضلاً عن استمرار نفوذ القوى السياسية والاقتصادية التقليدية.
سيناريوهات مفتوحة
وبحسب الطائي، فإن المشهد العراقي بعد 30 أيلول لا يمكن التنبؤ بمساره بدقة، إذ تتراوح السيناريوهات بين احتواء الأزمة عبر الحوار والتفاهمات السياسية، أو فرض ترتيبات جديدة تدريجياً من قبل الدولة، وصولاً إلى احتمال التصعيد الأمني إذا فشلت جميع الوساطات والآليات السياسية.
ويخلص الطائي إلى أن المعركة الحقيقية ليست على السلاح وحده، بل على شكل الدولة العراقية ومستقبل قرارها السيادي، محذراً من أن استمرار العراق ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية سيبقي أزمات السيادة والأمن والاقتصاد والتنمية مترابطة، ويزيد من مخاطر العزلة الدولية والانقسام الداخلي.