آخر الأخبار

فوق القانون وبلا رقيب: من يحاسب المفسدين في إقليم كردستان العراق؟

رأي و موقف
بقلم/ محمد الفاتح

منذ تأسيس الكيان السياسي لإقليم كردستان العراق، استأثرت طبقة من المسؤولين والمتنفذين بحصانة غير معلنة، لكنها واقع ملموس، حمتهم من أي ملاحقة قضائية مهما بلغت درجة انخراطهم في قضايا الفساد. لقد تحول الفساد في الإقليم من مجرد تجاوزات فردية إلى منظومة متكاملة تضاهي، بل وتفوق في بعض مفاصلها، ما تشهده بقية المحافظات العراقية من هدر للمال العام.
لم يعد الفساد في إقليم كردستان قضية تُناقش في الغرف المغلقة؛ بل هو حديث الشارع اليومي والمحور الأساسي لخطابات القوى السياسية المعارضة والخارجة عن السلطة. ورغم هذا الوضوح الفاضح، تقف المؤسسات الرقابية والقضائية في الإقليم مكبلة الأيدي، عاجزة عن تحريك أي ساكن، والسبب في ذلك بسيط ومرير: المسؤول الفاسد في الإقليم وضع نفسه فوق القانون.
يتجلى هذا الفساد بأوضح صوره في مظاهر الثراء الفاحش والخيالي الذي بات يبدو فجأة على المسؤولين، وعائلاتهم، وأعوانهم، والمقربين منهم. ولم يكن هذا الثراء نتاج طفرة اقتصادية مشروعة، بل هو نتيجة مباشرة لـ السيطرة المطلقة على الموارد السيادية للإقليم، وفي مقدمتها ملفات النفط والغاز والتحكم في العائدات المالية للمنافذ الحدودية والجمارك والتورط الممنهج في عمليات التهريب الواسعة وتحولت ثروات الإقليم التي هي ملك للشعب إلى إقطاعيات خاصة تديرها شبكات المصالح الضيقة.
بينما تتضخم ثروات هذه الفئة، يعيش المواطن الكردستاني منذ سنوات طويلة تحت وطأة أزمات معيشية خانقة. فالرواتب متأخرة أو مستقطعة، والخدمات الأساسية من صحة وتعليم وبنى تحتية في تراجع مستمر. لقد دفع الفساد المستشري الفئات الأوسع من الشعب إلى حافة العوز، في وقت يستمر فيه الفاسدون في تكديس الأموال دون أي وازع أخلاقي أو قانوني.
إن استمرار هذا الوضع لم يعد مقبولاً ولا يمكن السكوت عنه. لغاية هذه اللحظة، لم يشهد الإقليم محاكمة علنية واحدة أو محاسبة حقيقية لمسؤول رفيع متورط في ملفات فساد، وهو ما يكرس سياسة “عفا الله عما سلف” لصالح الأقوياء فقط.
إن العدالة لا يمكن تجزئتها؛ ومثلما يطالب الجميع بمحاسبة الفاسدين في بغداد وباقي المحافظات العراقية، فقد حان الوقت لفتح ملفات الفساد في إقليم كردستان أيضاً، وبنفس القوة والحزم. كفى تغاضياً عن سلطة تظن أنها بمنأى عن الحساب، وكفى هتكاً لأقوات المواطنين ومستقبل أجيالهم. إن المحاسبة هي الخطوة الأولى لاستعادة كرامة العيش وثقة المواطن في أرضه.

شارك المقال عبر

تغطية مستمرة

المزيد