آخر الأخبار

بطريرك الكلدان: المواطنة الكاملة هي الضمان الحقيقي لبقاء المسيحيين في العراق

بغداد – ايجاز

في قراءة معمّقة لواقع عراقي مثقل بالتحديات، يطرح بطريرك الكنيسة الكلدانية في العراق والعالم مار بولس الثالث نونا رؤية شاملة لترسيخ الاستقرار وحماية الوجود المسيحي، مؤكداً أن الهوية الكلدانية تمثل تجذراً حضارياً يتجاوز الإطار القومي، ومشدداً على تمسّك الكنيسة بمبدأ المواطنة الكاملة وابتعادها عن التجاذبات السياسية، بما يضمن مستقبلاً آمناً لجميع العراقيين تحت سقف الحقوق المتساوية.

وفي أول ظهور صحفي له مع وسيلة إعلام عراقية، أُجري الحوار داخل مقره الرسمي وسط بغداد، في أجواء اتسمت بالانفتاح والوضوح، حيث اتخذ اللقاء طابعاً غير تقليدي، عكس بساطة غبطته واستعداده للإجابة الصريحة على مختلف الأسئلة، بروح المسؤولية والاهتمام بالشأن الوطني والإنساني.

الهوية الحضارية

وأوضح البطريرك أن آلية انتخاب بطريرك الكنيسة في الكنائس الشرقية لا تقوم على وجود مرشحين محددين، إذ يُعد جميع أعضاء السينودس مرشحين تلقائياً، ما يجعل نتائج الانتخابات مفتوحة على جميع الاحتمالات.

وبيّن أن مفهوم الهوية الكلدانية يشمل الحضارة والثقافة والتجذر الإيماني المشرقي، إضافة إلى أسلوب عيش الإيمان والجوانب الاجتماعية والأخلاقية والسلوكية، مؤكداً أن الهوية تحدد كيفية عيش الإنسان في العالم، ولا تعني التفوق أو الدونية، بل تعبّر عن خصوصية وتميّز ثقافي وحضاري.

وأشار إلى أن الهوية أوسع من المفهوم القومي، إذ تجمع بين الإيمان والتاريخ والحضارة والثقافة، وتمثل الإطار الذي تتجسد من خلاله هذه العناصر مجتمعة.

قوانين مجحفة

وعن أسباب هجرة المسيحيين، أشار البطريرك إلى تعدد العوامل، منها الوضع الأمني، وممارسات الاضطهاد الديني من بعض الجماعات المتطرفة، فضلاً عن وجود قوانين لا تراعي خصوصية المسيحيين، مؤكداً ضرورة العمل المشترك لتعديل هذه القوانين أو تشريع قوانين جديدة تمنح الاطمئنان وتكرّس حق المواطنة الكاملة.

ذاكرة أليمة

ووصف أحداث سقوط الموصل بيد تنظيم داعش عام 2014 بأنها من أكثر المراحل إيلاماً في الذاكرة، لما شهدته من نزوح جماعي خلال ساعات قليلة، حفاظاً على الحياة والإيمان، مستذكراً فقدانه جميع ممتلكاته الشخصية نتيجة تلك الأحداث، ومشاهد النزوح القاسية التي امتلأت بها الطرقات بآلاف العوائل.

ظلم داعش

وكشف البطريرك عن مفاوضات أجراها مع ممثل عن تنظيم داعش بعد اختطاف راهبتين عادتا إلى ديرهما في الموصل، حيث أُبلغت الكنيسة حينها بالشروط التي فرضها التنظيم، والمتمثلة باعتناق الإسلام أو دفع الجزية أو مغادرة المدينة دون ممتلكات، وإلا فالموت.

ترسيخ مبدأ المواطنة

وفي الشأن السياسي، أكد أن للكنيسة حق إبداء الرأي في القضايا العامة والدفاع عن حقوق المواطنين المسيحيين، لكنها لن تنخرط في الصراعات السياسية أو تصطف مع أي طرف، مشدداً على استمرار دعوتها إلى ترسيخ مبدأ المواطنة كركيزة أساسية لبناء الدولة.

ورغم كون الكنيسة الكلدانية الأكبر عدداً في العراق، شدد البطريرك على أهمية توحيد صوت جميع الكنائس، معتبراً أن القوة لا تكمن في العدد بل في وحدة الموقف وخدمة الإنسان.

خلق فرص عمل

وأشار إلى أن لقاءاته مع البعثات الدبلوماسية والهيئات الأجنبية تركز على ضرورة خلق فرص عمل وتهيئة بيئة مناسبة للاستثمار، مؤكداً أن الاقتصاد المستقر والقوانين الشفافة يعززان ثقة المواطنين بمستقبلهم ويشجعانهم على البقاء في وطنهم.

الحوار المسيحي الإسلامي

وأكد أن الحوار المسيحي الإسلامي خيار استراتيجي لا رجعة عنه، مشيداً بالجهود السابقة في هذا المجال، ومشدداً على ضرورة الاستمرار في نهج الانفتاح والتواصل، مستذكراً زيارة البابا الراحل فرنسيس إلى العراق بوصفها نموذجاً شجاعاً للحوار والتلاقي.

العمل المشترك

وفي ما يتعلق بعلاقات الكنائس، شدد على أهمية العمل الجماعي في مواجهة الانقسامات المتزايدة، معتبراً أن التعاون بين الكنائس ضرورة اجتماعية وإنسانية وكنسية، لتوحيد المواقف وخدمة المؤمنين.

مراجعة المؤسسات الكنسية

وأكد أن مؤسسات الكنيسة بحاجة دائمة إلى المراجعة والتطوير لمواكبة المتغيرات، سواء كانت تربوية أو صحية أو اجتماعية، مشيراً إلى أن رسالة الكنيسة لا تقتصر على الجانب الديني، بل تشمل الثقافة والفن والرياضة والشباب وبناء الإنسان المتكامل.

وكان مار بولس الثالث نونا قد تسلّم رسمياً رئاسة الكنيسة الكلدانية في العراق والعالم في 29 أيار 2026، خلال مراسم أُقيمت في كنيسة مار يوسف ببغداد، بحضور ديني ورسمي، إيذاناً ببدء مرحلة جديدة في مسيرة الكنيسة.

شارك المقال عبر

تغطية مستمرة

المزيد