آخر الأخبار

بلد نفطي… وأزمة بنزين تتكرر في ذروة الصيف

بغداد – ايجاز

“لم أعد أفهم كيف تحدث أزمة بنزين ونحن في بلد نفطي”، يردد بغضب سائق سيارة الأجرة أبو علي. وهو سؤال يكرره آلاف آخرون منذ عطلة عيد الأضحى، إذ بدأت مشاهد زحام المركبات أمام محطات الوقود تتكرر في بغداد ومحافظات أخرى، وسرعان ما تحولت الطوابير إلى مشهد يومي، وذلك بعد سبعة أشهر فقط من إعلان الحكومة ما عدّته تحولاً تاريخياً في قطاع الطاقة، بإيقاف استيراد البنزين والديزل والكيروسين بعد تحقيق الاكتفاء الذاتي.

منذ أواخر أيار 2026، يحاول أبو علي (43 عاماً) أن يكون من أوائل المنتظرين أمام محطة وقود أبو أقلام في منطقة الكرادة ببغداد. ورغم وصوله قرابة الثالثة والنصف فجراً، يجد عشرات السيارات قد سبقته واصطفت في طابور يزداد طوله مع اقتراب شروق الشمس.

ينظر إلى ساعته بين حين وآخر، فدوامه المعتاد يبدأ عند السادسة صباحاً، لكن شح الوقود واضطراره إلى الانتظار لساعات طويلة للحصول على حصته اليومية غيّر نظام يومه بالكامل. يقول بنبرة يشوبها الغضب: “أحياناً لا أصل إلى عملي إلا بعد الظهر، لم أعد أفهم كيف تحدث أزمة بنزين ونحن في بلد نفطي”.

هذا السؤال تكرر على نطاق واسع منذ عطلة عيد الأضحى في 27 أيار 2026، مع تصاعد مشاهد الزحام أمام محطات الوقود في بغداد ومحافظات أخرى، وتحول الطوابير إلى مشهد يومي وثقته مئات المقاطع المصورة على مواقع التواصل الاجتماعي، بالتزامن مع تصاعد شكاوى سائقي الأجرة وأصحاب المركبات الخاصة.

الأزمة ليست جديدة على العراقيين، إلا أن توقيتها هذه المرة مختلف. فقبل أقل من سبعة أشهر، أعلنت الحكومة في تشرين الثاني 2025 وقف استيراد المشتقات النفطية بعد تحقيق الاكتفاء الذاتي، متحدثة عن نهاية مرحلة الاستيراد واقتراب تصدير الفائض.

وجاء الإعلان متزامناً مع افتتاح مشروع التكسير بالعامل المساعد (FCC) في مصفى الشعيبة بالبصرة بطاقة تصميمية تبلغ 107 آلاف برميل يومياً، وجرى الترويج له بوصفه مشروعاً استراتيجياً لإنتاج البنزين عالي الأوكتان وتقليل الاعتماد على الخارج.

كما تحدثت الحكومة عن وفورات مالية تصل إلى خمسة مليارات دولار سنوياً نتيجة وقف الاستيراد، مع خطط لإطلاق مشاريع تكرير جديدة، من بينها مصفاة الفاو الاستثمارية.

غير أن هذه الوعود لم تمنع عودة مشهد الطوابير، ما دفع إلى تساؤلات عن احتمال لجوء الحكومة مجدداً إلى الاستيراد لتغطية العجز الداخلي.

طوابير رغم النفي الرسمي

مع تصاعد الأزمة، نفت وزارة النفط في البداية وجود نقص حقيقي، وعزت الازدحامات إلى زيادة الطلب وارتفاع درجات الحرارة وتزامن عطلة العيد. وفي الثاني من حزيران 2026، وصفت الأزمة بأنها “مفتعلة”، معلنة أن الإنتاج اليومي بلغ 31 مليون لتر مقابل استهلاك 32.5 مليون لتر.

غير أن هذه الأرقام أثارت تساؤلات إضافية، إذ أظهرت فجوة واضحة بين الإنتاج والاستهلاك، في وقت كانت فيه الطوابير تمتد في بغداد والأنبار وكربلاء وواسط وذي قار والبصرة وغيرها.

لاحقاً، ظهرت روايات مغايرة، تحدثت عن استهلاك فعلي يصل إلى 34 مليون لتر يومياً، مع عجز يتراوح بين أربعة وخمسة ملايين لتر، كان يُغطى سابقاً من المخزون والشحنات المستوردة، قبل أن يؤدي تأخر الناقلات إلى استنزاف الخزين.

ومع اتساع الأزمة، أُعلن عن شراء كميات طارئة من البنزين لتعزيز الخزين الاستراتيجي، وسط توقعات بانفراج الأزمة بعد وصول الشحنات.

إقرار ثم تراجع

في فجر الرابع من حزيران 2026، أقرّت وزارة النفط للمرة الأولى بوجود نقص في البنزين، مرجعة ذلك إلى توقف إحدى الوحدات الإنتاجية في مصفى الشعيبة بعد مغادرة الكوادر الأجنبية بسبب الظروف الأمنية، إضافة إلى تداعيات إغلاق مضيق هرمز. إلا أن البيان حُذف لاحقاً من دون توضيح رسمي.

غياب الشفافية

أثار التناقض بين إعلان الاكتفاء الذاتي والعودة إلى الاستيراد انتقادات نيابية، رأت في الأزمة مؤشراً على غياب الشفافية، وتساؤلات حول جاهزية البنية التحتية وقدرة المصافي على تلبية الطلب المحلي.

ويرى مختصون أن الأزمة تعكس مشكلات هيكلية في قطاع التكرير، بسبب قدم المصافي وارتفاع إنتاج النفط الأسود، ما يؤدي إلى اختناقات في الخزن والتصدير، وينعكس سلباً على إنتاج البنزين.

دعوات للصبر

في المقابل، تؤكد الجهات المعنية أن الأزمة مؤقتة، وأن إجراءات عاجلة اتُخذت لتعويض النقص عبر استيراد شحنات طارئة ورفع الطاقة التشغيلية للمصافي. وتشير إلى أن الإنتاج الحالي يبلغ 31 مليون لتر يومياً مقابل حاجة تصل إلى 35 مليون لتر.

وتؤكد الجهات المختصة أن الأزمة مرشحة للانحسار مع وصول الشحنات الجديدة، داعية المواطنين إلى التحلي بالصبر وتجنب التزاحم.

وفي ظل تضارب الروايات، تبقى الحقيقة الأوضح هي تلك التي تتجسد يومياً أمام محطات الوقود، حيث يقضي آلاف المواطنين ساعات طويلة في الانتظار، وسط خسارة للوقت وفرص العمل، وتكاليف إضافية تثقل كاهلهم اليومي.

شارك المقال عبر

تغطية مستمرة

المزيد