
بغداد – ايجاز
لم يغب ملف مكافحة الفساد عن برامج الحكومات العراقية المتعاقبة منذ عام 2005، غير أن النتائج بقيت دون مستوى التطلعات، وسط استمرار الهدر المالي وتعثر حسم القضايا الكبرى. وعلى الرغم من اختلاف المسميات وتعدد اللجان والمجالس، فإن المشهد العام لم يشهد تحولاً جذرياً يضع حداً لواحد من أكثر الملفات تعقيداً في البلاد.
ومع كل مرحلة سياسية جديدة، جرى الإعلان عن تشكيل هيئات ومجالس عليا لملاحقة الفساد واسترداد الأموال المنهوبة، كان آخرها إعلان رئيس الوزراء علي الزيدي تشكيل “المجلس السيادي الأعلى للنزاهة والرقابة واسترداد المال العام”، في خطوة تعكس مساعي الحكومة الحالية لإعادة فتح هذا الملف الحساس.
ويرى متابعون أن المشكلة لا تكمن في غياب الهياكل الرقابية، بل في ضعف الإرادة السياسية القادرة على مواجهة شبكات مصالح متجذرة داخل مؤسسات الدولة، فضلاً عن غياب آليات تنفيذ فعالة تضمن المحاسبة واستعادة الأموال العامة. ويشير مختصون إلى أن الفساد في العراق اكتسب طابعاً بنيوياً، ما جعله يتجاوز حدود المخالفات الفردية إلى منظومة متكاملة يصعب تفكيكها بإجراءات جزئية.
وتبرز تساؤلات قانونية بشأن جدوى استحداث كيانات رقابية جديدة، في ظل وجود مؤسسات مستقلة نص عليها الدستور، مثل هيئة النزاهة وديوان الرقابة المالية، إذ يحذر قانونيون من تداخل الصلاحيات أو المساس باستقلالية هذه الجهات ما لم يتم توفير غطاء تشريعي واضح ينظم عمل أي مجلس جديد.
في المقابل، يرى آخرون أن الخطوات الحكومية الأخيرة تمثل رسالة سياسية تهدف إلى طمأنة الشارع وإظهار الجدية في مواجهة الفساد، لكنها تبقى مرهونة بتحقيق نتائج ملموسة، وفي مقدمتها استرداد الأموال المهربة، ومحاسبة المسؤولين المتورطين بغض النظر عن مواقعهم السياسية أو الوظيفية.
ويجمع مراقبون على أن نجاح أي استراتيجية لمكافحة الفساد يتطلب إصلاحاً قانونياً شاملاً، وتنسيقاً عالياً بين السلطات التنفيذية والقضائية والرقابية، فضلاً عن دور فاعل للإعلام والمجتمع في كشف المخالفات وتعزيز الشفافية.
وبين تجارب سابقة لم تكتمل، ومساعٍ حكومية جديدة، يبقى ملف مكافحة الفساد اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة العراقية على الانتقال من مرحلة الشعارات إلى مرحلة الفعل، وبناء منظومة رقابية مستدامة تحمي المال العام وتستعيد ثقة المواطن بالمؤسسات الرسمية.