آخر الأخبار

من بوابة العراق الموحّد.. باراك يضع الحزب الحاكم في أربيل أمام أصعب اختبار

بغداد – إيجاز

لا يبدو تعيين توم باراك مبعوثاً رئاسياً خاصاً إلى العراق وسوريا مجرد تبديل في أدوات الإدارة الأمريكية للملف العراقي، بقدر ما يمثل إشارة أعمق إلى أن واشنطن بدأت تنظر إلى العراق من زاوية الدولة المركزية وحدودها وقرارها السيادي، لا من زاوية الاستثناءات التي اعتادت بعض القوى المحلية، وفي مقدمتها الحزب الحاكم في أربيل، التعامل معها كأمر واقع طوال السنوات الماضية.

فالرجل القادم من الملف السوري، والحامل لمقاربة واضحة ضد التفتيت والفدرلة المفتوحة، يدخل إلى العراق وفي ذهنه تجربة قريبة مع قوى كردية في شمال شرق سوريا، حيث بدت واشنطن في عهد ترامب أكثر ميلاً إلى ضبط الطموحات المحلية ضمن إطار الدولة، لا تحويلها إلى كيانات مستقلة أو شبه مستقلة. ومن هنا تحديداً تبدأ مخاوف أربيل، ليس لأن باراك يعرف المنطقة فحسب، بل لأن طريقته في قراءة المنطقة قد لا تنسجم مع السياسات التي اتبعها الحزب الحاكم في أربيل تجاه بغداد.

ممارسات كردستان

خلال السنوات الماضية، تصرف إقليم كردستان في ملفات كثيرة وكأنه دولة قائمة بذاتها، لا جزء من دولة اتحادية، في ملف النفط، مضت أربيل بعقود تصدير واتفاقات خارجية بمعزل عن الحكومة الاتحادية، رغم القرارات القضائية والاعتراضات المتكررة من بغداد.

وفي ملف الإيرادات، استمر الجدل حول المنافذ والضرائب والواردات غير النفطية، وسط اتهامات اتحادية بأن الإقليم لا يقدم الأرقام الحقيقية ولا يلتزم بتسليم ما عليه من التزامات مالية، أما في ملف الرواتب، فقد تحولت أزمة موظفي الإقليم إلى ورقة ضغط سياسية متبادلة، يدفع المواطن الكردي ثمنها، بينما يحمّل الحزب الحاكم بغداد مسؤولية الأزمة من دون أن يقدم كشفاً واضحاً عن حجم الإيرادات والإنفاق.

هذه السياسات لم تعد تفصيلاً داخلياً يمكن احتواؤه عبر تفاهمات موسمية بين أربيل وبغداد، فمع مجيء باراك، قد تجد القيادة الحاكمة في أربيل نفسها أمام واشنطن مختلفة، لا تتعامل مع الإقليم باعتباره حليفاً مدللاً أو استثناءً دائماً، بل باعتباره جزءاً من معادلة عراقية يجب أن تُدار من بغداد، خصوصاً في ملفات النفط والطاقة والحدود والعلاقة مع تركيا.

وتزداد حساسية المشهد لأن باراك سفير الولايات المتحدة لدى تركيا أيضاً، وهذا يعني أن الملف الكردي لن يُقرأ أمريكياً من زاوية أربيل وحدها، بل من زاوية أنقرة وبغداد ودمشق معاً، وهذه النقطة تحديداً تقلق الحزب الحاكم في أربيل، لأنه بنى جانباً كبيراً من نفوذه خلال السنوات الماضية على علاقات مباشرة مع تركيا وواشنطن، أحياناً بمعزل عن بغداد، وأحياناً على حسابها، لكن الجمع بين السفارة في أنقرة ومهمة العراق وسوريا قد يحوّل هذه العلاقات من مصدر قوة إلى مساحة مراجعة وضبط.

إرباك في أربيل

الأكثر إرباكاً لأربيل أن سياسة باراك في سوريا تميل إلى دعم المركز، لا الأطراف، فإذا انتقلت هذه النظرة إلى العراق، فإن الحديث عن خصوصية كردستان قد لا يعود كافياً لتبرير استمرار العقود النفطية المنفردة، أو إدارة المنافذ بعيداً عن الرقابة الاتحادية، أو التعامل الانتقائي مع قرارات المحكمة الاتحادية، وعندها ستتحول الأسئلة التي تطرحها بغداد منذ سنوات إلى أسئلة أمريكية أيضاً: أين تذهب إيرادات النفط؟ كم تبلغ واردات المنافذ؟ ولماذا لا تُدار الثروة الوطنية ضمن سياسة اتحادية واحدة؟

هنا تبدو المشكلة الحقيقية للحزب الحاكم في أربيل، فهو لا يخشى فقط خسارة امتياز سياسي، بل يخشى انتقال واشنطن من موقع الراعي الضامن إلى موقع المراقب الضاغط، فالإقليم اعتاد أن يلجأ إلى الولايات المتحدة كلما اشتد الخلاف مع بغداد، وأن يقدم نفسه بوصفه شريكاً مستقراً في منطقة مضطربة، لكن هذا الخطاب قد لا يكون كافياً في مرحلة تريد فيها إدارة ترامب تقليل نفوذ إيران، وضبط الحدود، وترتيب ملفات الطاقة، ومنع أي كيان محلي من تعطيل سياسة الدولة المركزية.

ولذلك فإن تعيين باراك قد يعني للحزب الحاكم في أربيل بداية مرحلة أقل راحة. فالرجل لا يأتي من مدرسة المجاملات الدبلوماسية، بل من عقلية الصفقات والنتائج السريعة، وهذه العقلية قد تطلب من أربيل أرقاماً لا شعارات، والتزامات لا بيانات، وتنسيقاً مع بغداد وليس التفافاً عليها. وقد يكون ملف النفط أول اختبار حقيقي، لأن واشنطن تعرف أن الطاقة هي قلب الخلاف بين الطرفين، وأن استمرار الإقليم في التصرف المنفرد بهذا الملف يجعل أي تفاهم اقتصادي واسع في العراق هشاً وناقصاً.

الملف الأمني

كما أن الملف الأمني لن يكون بعيداً عن الطاولة، فالمناطق الحدودية، ووجود حزب العمال الكردستاني، وتداخل النفوذ التركي، وحركة القوات بين العراق وسوريا، كلها ملفات تجعل أربيل تحت رقابة إقليمية أكبر، ومع وجود باراك في أنقرة وبغداد ودمشق معاً، لن يكون من السهل على الحزب الحاكم أن يفصل بين ما يفعله في الداخل الكردي وما يترتب عليه في الحسابات الأمريكية والتركية والعراقية.

وقد تحاول أربيل تقديم مجيء باراك باعتباره فرصة لتعزيز موقعها لدى واشنطن، لكن القراءة الأعمق تشير إلى احتمال معاكس، فالرجل الذي يتحدث بلغة الدول المركزية، ويرفض خرائط التفتيت في سوريا، قد لا يكون متحمساً لدعم سياسات كردية تقوم على انتزاع أكبر قدر من الصلاحيات من بغداد ثم العودة إليها عند الأزمات المالية. وهذا ما يجعل تعيينه لحظة اختبار قاسية للحزب الحاكم في أربيل، لا هدية سياسية جديدة.

في المحصلة، لا يعني مجيء توم باراك أن واشنطن ستنقلب فوراً على إقليم كردستان، لكنه يعني أن زمن الشيكات السياسية المفتوحة قد يضيق، فالإقليم سيكون مطالباً، أكثر من أي وقت مضى، بإثبات أنه جزء من الدولة العراقية لا سلطة موازية لها، وأن علاقاته الخارجية لا تُستخدم لمراكمة أوراق ضغط ضد بغداد، وأن النفط والحدود والإيرادات ليست ملفات حزبية، بل ملفات سيادية لا يمكن إدارتها بمنطق الأمر الواقع.

شارك المقال عبر

تغطية مستمرة

المزيد