
بقلم/ إسلام زيباري
فيما يتعلق بقوات البيشمركة وما يُثار بين الحين والآخر بشأن نزع سلاحها أو دمجها ضمن القوات الأمنية العراقية، فإن هذه القضية ترتبط بتفسيرات دستورية وقانونية وسياسية متشابكة. فقد نصّ الدستور العراقي لعام 2005 على وجود “حرس الإقليم” ضمن المنظومة الأمنية الاتحادية، لكنه لم يذكر اسم “البيشمركة” صراحةً، الأمر الذي فتح الباب أمام تفسيرات متعددة بشأن طبيعة هذه القوات وموقعها القانوني، وأتاح في الوقت ذاته المجال لطرح مطالبات بدمجها ضمن مؤسسات أمنية أو عسكرية اتحادية.
ومن هذا المنطلق، يرى كثيرون أن المشرّع الكردي لم ينجح في ترسيخ اسم البيشمركة بشكل صريح ضمن نصوص الدستور خلال عملية صياغته عام 2005، وهو ما ساهم في خلق حالة من الالتباس القانوني حول وضع هذه المؤسسة العسكرية ودورها الدستوري.
وإذا كان المقصود بـ”حرس الإقليم” هو قوات حرس الحدود، فإن هذا التفسير لا ينسجم مع الواقع القائم في إقليم كردستان، حيث توجد قيادة خاصة بحرس الحدود تتألف من ثلاثة ألوية وتتبع وزارة الداخلية في الحكومة الاتحادية العراقية. أما مهام الأمن الداخلي فتتولاها أجهزة الشرطة وقوات الآسايش. وبناءً على ذلك، فإن البيشمركة تمثل، وفق المفاهيم القانونية والدستورية المعمول بها في إقليم كردستان، القوة العسكرية الرسمية للإقليم والمسؤولة عن الدفاع عنه وحماية أمنه.
ويجمع إقليم كردستان، بمختلف قواه السياسية الحاكمة والمعارضة، على رفض أي خطوة تستهدف المساس بقوات البيشمركة أو إضعاف دورها ومكانتها. إلا أن هذا الرفض لا يعني القبول باستمرارها كقوات منقسمة أو ذات طابع حزبي، إذ تتصاعد المطالب بضرورة توحيد البيشمركة وتحويلها إلى قوة وطنية مهنية تمثل الإقليم ككل، بعيداً عن الانتماءات الحزبية.
وفي المقابل، توجه أطراف المعارضة انتقادات متكررة للحزبين الحاكمين بسبب استمرار توظيف بعض تشكيلات البيشمركة والأجهزة الأمنية لخدمة مصالح حزبية ضيقة، سواء من خلال التأثير على توجهات المنتسبين خلال الانتخابات، أو تعزيز النفوذ على بعض المفاصل الاقتصادية، أو إبقاء تشكيلات أمنية خاضعة لاعتبارات حزبية بدلاً من استكمال عملية التوحيد وترسيخ الطابع الوطني. كما أن استمرار انقسام القوات الأمنية، بما فيها البيشمركة، بين الحزبين الحاكمين، أسهم في تكريس واقع إدارتين داخل إقليم كردستان، وأضعف من فاعلية المؤسسات الأمنية، خاصة حين تُستغل بعض الأجهزة في تقييد الحريات العامة أو ترهيب المعارضين أو التعامل مع الاحتجاجات السلمية، بدلاً من أداء دورها في حماية الحقوق والحريات.
وفي المحصلة، فإن هذا الانقسام يضعف قدرة مؤسسات الدولة على إدارة الإقليم بشكل قانوني ووطني، ويؤثر سلباً على ثقة المواطنين بالمؤسسات والأجهزة الأمنية، كما يمنح في الوقت ذاته ذريعة للخصوم في بغداد وللقوى الإقليمية للطعن في “شرعية” هذه القوات، حيث تُستخدم حجة عدم توحيد البيشمركة كمدخل قانوني لتعطيل بعض المخصصات المالية أو فرض سياسات معينة، بذريعة التعامل مع قوة ذات طابع حزبي ضمن هيكل حكومة إقليم كردستان.