
محمد التميمي
لم تعد زيارات قادة الحزب الديمقراطي الكردستاني إلى بغداد تُقرأ بوصفها مجرد تحركات بروتوكولية أو لقاءات اعتيادية بين أربيل والعاصمة الاتحادية، بل تحولت في الأسابيع الأخيرة إلى مؤشر واضح على حجم التحولات الجارية داخل البيت البارزاني نفسه، وعلى طبيعة الصراع الصامت بين جناحين يحاول كل منهما رسم شكل المرحلة المقبلة داخل إقليم كردستان والعلاقة مع بغداد.
ففي الوقت الذي يتحرك فيه رئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني بهدوء سياسي محسوب، مستفيداً من شبكة علاقاته الممتدة مع القوى العراقية والإقليمية والدولية، يبدو رئيس حكومة الإقليم مسرور بارزاني وكأنه يحاول، متأخراً، ترميم ما خسره خلال السنوات الماضية من نفوذ وحضور داخل العاصمة العراقية.
اللافت أن بغداد نفسها بدأت تتعامل مع الرجلين بطريقة مختلفة تماماً، فنيجيرفان يُنظر إليه داخل الأوساط السياسية العراقية بوصفه “رجل التفاهمات” القادر على إدارة الخلافات بأقل قدر من التصعيد، بينما ارتبط اسم مسرور خلال السنوات الماضية بملفات التوتر والصدام، سواء مع بغداد أو حتى مع أطراف كردية داخلية.
هذا التباين لم يعد خافياً حتى داخل الحزب الديمقراطي الكردستاني نفسه، فالمصادر السياسية الكردية تتحدث اليوم بوضوح عن جناحين متنافسين داخل العائلة الحاكمة، لكل منهما مؤسساته الاقتصادية والإعلامية والمالية وشبكة حلفائه داخل الحزب وخارجه، وبات واضحاً أن معركة النفوذ لم تعد محصورة داخل أربيل، بل انتقلت بشكل فعلي إلى بغداد، حيث تتحدد اليوم موازين القوة الجديدة.
قضية وزارة الإعمار والإسكان كشفت جانباً مهماً من هذا الصراع. فالإصرار على إبعاد بنكين ريكاني، رغم وجود قبول عراقي واسع لبقائه، عكس حجم الحساسية داخل جناح مسرور تجاه أي شخصية تُحسب على نيجيرفان. والأمر لم يكن متعلقاً بالوزارة وحدها، بل بمن يملك حق تمثيل الحزب الديمقراطي داخل بغداد، ومن يحتفظ بخيوط العلاقة مع القوى الشيعية والسنية المؤثرة.
المشكلة الأكبر بالنسبة لمسرور بارزاني أن تحركاته جاءت بعد سنوات من القطيعة والتوتر مع بغداد. فالرجل الذي اعتمد طويلاً على سياسة التشدد ورفع سقف الخطاب، وجد نفسه اليوم أمام واقع مختلف تماماً؛ بغداد الجديدة لم تعد تمنح النفوذ المجاني، كما أن القوى السياسية العراقية باتت تبحث عن شريك أكثر مرونة وأقل صدامية.
ولهذا السبب تحديداً، تبدو تحركات نيجيرفان أكثر نجاحاً وتأثيراً. فهو لم يدخل بغداد بوصفه طرفاً يريد تسجيل نقاط سياسية، بل كشخصية تحاول إعادة بناء الثقة مع الجميع. علاقاته المتوازنة مع واشنطن وطهران وأنقرة، فضلاً عن حضوره المقبول داخل البيت الشيعي والسني، جعلته يتحرك بأريحية أكبر مقارنة بمسرور الذي ما يزال يواجه إرثاً ثقيلاً من سوء التفاهم والخلافات.
حتى داخل القوى الكردية المعارضة، لا يبدو أن هناك حماساً لاستمرار مسرور في واجهة المشهد، فالكثير من الأطراف الكردية باتت ترى أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى شخصية أكثر هدوءاً وقدرة على إدارة التوازنات المعقدة، خصوصاً مع الأزمات المالية والسياسية التي يعيشها الإقليم. ولهذا تتصاعد، بهدوء، أحاديث عن رغبة محلية ودولية في منح نيجيرفان دوراً أكبر داخل المعادلة الكردية المقبلة.
لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن مسرور خرج من اللعبة. الرجل يدرك تماماً أن خسارة بغداد تعني خسارة جزء كبير من النفوذ السياسي والاقتصادي للإقليم، ولذلك بدأ يتحرك سريعاً لعقد اللقاءات مع قادة الإطار التنسيقي، ورؤساء المؤسسات العراقية، وحتى القوى السنية المؤثرة، في محاولة لفتح صفحة جديدة بعد سنوات من التوتر.
غير أن المشكلة الأساسية تكمن في أن السياسة لا تُدار فقط عبر الزيارات المتأخرة. فبغداد التي فتحت خطوط التواصل مع نيجيرفان خلال السنوات الماضية، باتت تنظر إليه كشريك أكثر استقراراً وقابلية للتفاهم، بينما يُنظر إلى مسرور على أنه يحاول الآن اللحاق بمسار سبق أن رسمه جناح آخر داخل البيت البارزاني.
في المقابل، يواصل الحزب الديمقراطي الكردستاني نفي وجود أي صراع داخلي، ويصر على أن زيارات نيجيرفان ومسرور تأتي ضمن تنسيق حكومي وسياسي متكامل لحل ملفات النفط والرواتب والطاقة، لكن واقع المشهد السياسي يوحي بشيء مختلف تماماً، فالتحركات المنفردة، وطبيعة الصراع على المناصب، والتنافس على إدارة العلاقة مع بغداد، كلها تعكس أن المسألة تتجاوز بكثير مجرد “تنسيق حزبي”.
الأهم من ذلك أن هذا الصراع يأتي في لحظة حساسة يمر بها الحزب الديمقراطي الكردستاني، فالحزب الذي كان يوماً اللاعب الكردي الأقوى داخل بغداد، بدأ يشعر بتراجع ثقله تدريجياً، سواء في ملف الرئاسات أو تشكيل الحكومات أو حتى في التأثير داخل البرلمان العراقي، وهذا التراجع فتح الباب أمام مراجعات داخلية حقيقية بشأن طريقة إدارة العلاقة مع العاصمة العراقية.
وبين جناح يريد الحفاظ على سياسة النفوذ التقليدية، وجناح آخر يدفع باتجاه التهدئة والانفتاح، تبدو معركة بغداد اليوم واحدة من أخطر المحطات داخل البيت البارزاني منذ سنوات، لأنها لا تتعلق فقط بمنصب أو وزارة، بل بالسؤال الأكبر؛ من سيقود المرحلة المقبلة داخل إقليم كردستان، ومن يمتلك القدرة الحقيقية على إعادة بناء العلاقة مع بغداد دون خسائر إضافية.