
احمد الخضر/ كاتب و صحفي عراقي
يمثل الجدل الدستوري حول مفهوم (الكتلة الأكبر ) إحدى أعقد الإشكاليات التي رافقت التجربة السياسية العراقية منذ عام 2003، ولا سيما بعد تفسير المحكمة الاتحادية العليا عام 2010 الذي اعتبر أن الكتلة الأكبر يمكن أن تكون تلك التي تتشكل بعد الانتخابات ، وليس بالضرورة القائمة الفائزة بأعلى الأصوات . هذا التفسير فتح الباب أمام تحالفات برلمانية لاحقة مكّنت قوى لم تحصد المرتبة الأولى من تشكيل الحكومة ، الأمر الذي أثار نقاشًا واسعًا حول مدى انسجام ذلك مع جوهر الديمقراطية التمثيلية.
في هذا السياق ، يبرز موقف السيد رئيس مجلس القضاء الأعلى الدكتور فائق زيدان الداعي إلى إعادة تفسير هذا المفهوم ، واعتبار القائمة الفائزة في الانتخابات هي الكتلة الأكبر التي يُكلَّف مرشحها بتشكيل الحكومة من قبل رئيس الجمهورية. وقد وصف التفسير السابق بأنه ( الخطيئة الكبرى ) في إشارة إلى ما ترتب عليه من إرباك سياسي وتشكيك شعبي بجدوى العملية الانتخابية .
أولاً : البعد الديمقراطي للمسألة
الديمقراطية التمثيلية تقوم على مبدأ بسيط وواضح: الناخب يمنح صوته لقائمة أو حزب على أساس برنامج ورؤية، ومن يحصد أعلى الأصوات يُمنح الأولوية في تشكيل الحكومة. إن تجاوز هذا المبدأ عبر تحالفات ما بعد الانتخابات يفرغ العملية الانتخابية من معناها، ويحوّلها إلى مرحلة أولى في مفاوضات مغلقة لا تعبّر بالضرورة عن الإرادة الشعبية المباشرة.
إن اعتماد القائمة الفائزة ككتلة أكبر يحقق عدة مكاسب منها
تعزيز ثقة الناخب بأن صوته يحدث فرقًا فعليًا و
تقليل الصفقات السياسية الغامضة التي تعقب إعلان النتائج
وتكريس مبدأ الوضوح والشفافية في انتقال السلطة …
أما الإبقاء على التفسير الحالي فيُبقي الباب مفتوحًا أمام تحالف ( الخاسرين ) لتشكيل أغلبية عددية تسلب حق الفائز الأول ، وهو ما يُعد قفزًا على منطق المنافسة الديمقراطية .
ثانياً : التحديات السياسية أمام إعادة التفسير
رغم وجاهة الطرح ، إلا أن هناك تحديات واقعية تعارضه
مثل مصالح القوى التقليدية و بعض الأحزاب التي اعتادت تشكيل الحكومات عبر التوافقات والتحالفات اللاحقة ترى في التفسير الحالي ضمانة لاستمرار نفوذها ..
وطبيعة النظام السياسي التوافقي منذ 2003 والذي وهو عبارة على أن يتم تشكيل الحكومات غالبًا على أساس المحاصصة أو التوازنات ، وليس على أساس أغلبية واضحة .
مخاوف الإقصاء : هناك من يجادل بأن اعتماد القائمة الفائزة قد يعزز حكم الأغلبية العددية على حساب الشراكة السياسية ، في مجتمع متنوع كالعراق .
غير أن هذه المخاوف يمكن معالجتها عبر بناء تحالفات لاحقة لتشكيل الحكومة، ولكن بعد تكليف القائمة الفائزة أولًا ، بما يحفظ حقها الدستوري والسياسي في المبادرة .
ثالثاً : سلبيات استمرار التفسير الحالي .
بما يعني الاستمرار في اعتماد تفسير 2010 أدى إلى :
إضعاف مفهوم الفوز الانتخابي وتحويله إلى فوز رمزي غير حاسم ..
تكرار الانسداد السياسي نتيجة صراع الكتل على تعريف ( الأكبر )
تعميق فجوة الثقة بين المواطن والنظام السياسي ، حيث يشعر الناخب بأن نتائج الصناديق لا تعني بالضرورة تشكيل الحكومة.
إن التجارب المتعاقبة أثبتت أن الغموض في النص الدستوري ، مقترنًا بتفسير يسمح بإعادة تشكيل الإرادة الانتخابية داخل البرلمان ، كان أحد أسباب الأزمات السياسية المتكررة